الآن وكما كان(!) حول كتاب: "الأطر التنظيميّة الأدبيّة في ال 48"(1) للكاتب سعيد نفّاع


بقلم: زاهر بولس- النّاصرة (2)

مقدّمة: 

أحيانًا كفى بالباحث جمع المعلومات والوثائق، وتنضيدها، لئلا تضيع بامتداد البعد الزمني، دون أن يبدي رأيه، ولكن خيار النصوص ولغتها هي رأي كامن، وبقوّة، يترك المجال لعدّة قراءات، وهذا ما فعله الكاتب سعيد نفّاع، الأمين العام السابق للاتّحاد العام للكتّاب الفلسطينيين- الكرمل 48 لسنوات، والسياسي المحنّك، والباحث الموضوعي الدؤوب، بقدر ما تسمح البحوث والطبيعة الإنسانيّة بالموضوعيّة. نعم، يترك المجال لعدّة قراءات بعدد الدّارسين، المتغيّرة على محور الزمن، والمتغيّرة مع ظهور المخبوء. هذه المجازفة محفوفة بمخاطر تقييم أناس فارق معظمهم الحياة من جهة، وتحت ظروف خاصّة بالشعب الفلسطيني الذي تجاوز النّكبة عام 1948، وانطلق تحت الاحتلال بمسمّياته، كالحكم العسكري، والديمقراطيّة المشروطة بخنجر الرقابة على عنق المثقّف، وخنجر لقمة العيش وما إلى ذلك، وخنجر النفوس الضعيفة من الجانب الآخر.

فرصد الكاتب الباحث سعيد نفّاع هذه الظاهرة، موثقًا قدر مستطاعه رغم قلّة المصادر والوثائق، ورغم انتقال معظم الكتّاب الأوائل إلى الدار الآخرة، ليحفظ صخرة صلبة للباحثين بعده، السابرين غور هذه الظاهرة لاحقًا، فكان كتابه "الأطر التنظيميّة الأدبيّة في 48- وفرة في الانتاج وسوء في الحرث!"، من اصدار "مكتبة كل شيء- حيفا 2025" في طبعته الأولى التي حوت 200 صفحة من القطع المتوسّط، والدراسة ثمرة جهد مضن هامّة لحفظ تاريخ الحركة الأدبيّة الفلسطينيّة من الضياع، كإحدى أدوات الصراع الهامّة والأساسيّة في مقارعة مشاريع الاستعمار والاستشراق، وربيبتهما الحركة الصهيونيّة، في معركة الصمود والبقاء والاسترداد. فلا صمود ولا بقاء دون بناء وتطوير وحماية المؤسّسات الوطنيّة، السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة، وهي متداخلة، وقد تكون المؤسّسة الثقافيّة على رأسها دون مبالغة، فالثقافة قاعدة للسياسة والاجتماع. ومؤلّف الكتاب، المحامي سعيد نفّاع، خاض غمار ثلاثتهم، لذا تأتي دراسته نظريّة وميدانيّة مدمجتين الواحدة بالأخرى. وقيّمة إلى أبعد الحدود، علّ الحركة الثقافيّة في الداخل الفلسطيني تعتبر من سيرورتها.

الأطر التنظيميّة الأدبيّة في 48: 

إن الشعب الفلسطيني الباقي، الصامد، ال.. سَمِّه ما شئت، هو الشعب الوحيد الممنوع من ذكر اسم وطنه فلسطين قانونيًا، وتُطرح البدائل مثل عرب الداخل، عرب 48، والبعض، خصوصًا في بدايات ما بعد نكبة فلسطين، أطلق اسم "عرب أرض اسرائيل!"، وعرب إسرائيل، والعرب في اسرائيل، وأسماء مسخ أخرى، كالاكتفاء بالانتماء الطائفي أو بدعة الشعب الآرامي.. وغيرها من تسميات! فالجزّار الذي يكسب الحرب يشكّل لحم نعجته المعلّقة على الخطّاف كما يحلو له، أو أنّها محض تهيّؤاته! لكنّي أعتقد أن بالمجمل: شعبنا يحمل وعيًا وطنيًا إنسانيًا، ينتمي لأمّة، بمعظمه، ومسيرته المعاقة تنتهي به إلى مبتغاه وصحيح موقعه. وفي كل مرحلة قامت نخبة من الكاتبات والكتّاب ممّن حملوا الهمّ الوطني، ليحافظوا، وأحيانًا ليستنهضوا أمّة بأسرها، ولكن هذا لم يمنع السيرورة من الأخطاء، والمتسلّقين، فكان ما كان، ولا يزال يتكرّر: تأسيس يتلوه انقسام يتلوه وحدة.. وهكذا دواليك، لفقدان مؤسّسة الدولة الوطنيّة الضامن لبقاء المؤسّسة الثقافيّة. وفي المقابل فالمؤسّسة الثقافيّة تعتبر إحدى أهم المؤسّسات الوحدويّة الضامنة لتأسيس الأماني والتطلعات السياسيّة، لهذا فهي ليست بمأمن من عين الرقيب ومخطّطاته! بعلم بعض الأدباء وبجهل معظمهم، مما يضفي على كتاب سعيد نفّاع بعدًا يشكل الوعي الاستراتيجي لدى شعبنا الفلسطيني.

وهنا سأسرد دورات حياة اتّحادات وروابط الكتّاب كما وردت في مبحث الكتاب، لأضع استنتاجي باختصار، وهو مكوّن من ثلاثة بنود، قد أخطئ، وقد أصيب، وإنّما المصلحة العامّة لحركتنا الثقافيّة ومؤسّساتنا الفاعلة من وراء القصد:

*فبداية، وبدعوة من الشاعر ميشيل حدّاد ومجلّة "المجتمع"، وبتاريخ 12.3.1955، تم تأسيس "رابطة شعراء العربيّة في اسرائيل، واقتصرت على الشعراء فقط، وقد ضمّت سبعة عشر شاعرًا. (صفحة 27) (1). وصياغة الاسم تفتح باب الانضمام لمن يكتب بالعربيّة، بما في ذلك اليهود، "رغم اعتقادي بأنهم عرب ديانتهم يهوديّة! وفدوا كمستعمرين محتلّين إحلاليّين من الدول العربيّة إلى فلسطين دون أدنى حق!". 

*وفي العام 1958 تم تأسيس "رابطة القلم العربي" على يد سليم شعشوع، وسكرتيرها الكاتب والشاعر جمال قعوار، ضمّت كتّابًا وصحافيين وشعراء، وهنا أيضًا نلمس من الاسم أن الأساس ليس الكاتب العربي وإنما القلم العربي، ما يشمل اليهود كتّاب العربيّة، مع احتفاظي بملاحظتي السابقة حول اليهود العرب، وهم عرب ديانتهم يهوديّة، وأكرّر، وفدوا كمستعمرين محتلّين إحلاليّين من الدول العربيّة إلى فلسطين دون أدنى حق!

*وتلاهما "رابطة الأدباء والمثقفين العرب في إسرائيل" عام 1957 (صفحة 36) (1).

*لتتلوهم "رابطة الكتّاب العرب في إسرائيل" في أوائل سبعينيّات القرن العشرين، وتقديرًا العام 1974، بمبادرة نقابة العمّال العامّة- الهستدروت!.. شارك فيها جورج نجيب وفاروق مواسي وسلمان ناطور (صفحة 45) (1).

*ليليهم "اتّحاد الكتّاب العرب في إسرائيل" عام 1987، عقد مؤتمره الـتأسيسي 31 آب 1987 في الناصرة، حيث انتُخب سميح القاسم رئيسًا، وفاروق مواسي نائبًا، ومحمد علي طه سكرتيرًا. (صفحة 56) (1). ويقف خلفه الحزب الشيوعي الإسرائيلي.

*وعلى أعقابها، وفي موازاتها تقريبًا، تم تأسيس "رابطة الكتّاب والأدباء الفلسطينيين في إسرائيل"، عقدت مؤتمرها التأسيسي بتاريخ 30 تشرين الأوّل عام 1987، وتم انتخاب ميشيل حداد رئيسًا فخريًا، وحنا أبو حنا الأمين العام (صفحة 66) (1)، ومحمد علي سعيد سكرتيرًا (صفحة 65) (1). وتقف خلفها سياسيًا الحركة التقدميّة المنافسة للحزب الشيوعي بين فلسطينيي الداخل- 48.

*الوحدة اليتيمة بين الاتّحاد والرابطة كما أطلق عليها المؤلّف، عام 1989: "الاتّحاد العام للكتّاب العرب الفلسطينيين في إسرائيل". (صفحة 77) (1). والتي بقيت أقرب إلى إعلان نوايا. (صفحة94) (1).

*تلا تلك الوحدة! تأسيس آخر في 15.11.1996 تحت اسم: "النقابة العامّة للكتّاب العرب في إسرائيل". (صفحة 95)(1). ولم تنجح وتوقّفت منذ البداية..

*تأسيس "الاتّحاد العام للكتّاب العرب- حيفا"، ولاحقًا تغيّر الاسم إلى: "الاتّحاد العام للكتّاب العرب- 48"، في أواخر كانون الأوّل عام 2010 والذي ترأسه الشاعر سامي مهنّا، وكان بمثابة فرع ل "الاتّحاد الفلسطيني العام" الذي رئسه آنذاك الكاتب مراد السوداني. (صفحة 103) (1).

*تأسيس "الاتّحاد القطري للأدباء الفلسطينيين- الكرمل" عام 2014، تبنّى المبنى التنظيميّ التقدّمي اليساري؛ أمانة عامّة ورئاسة، فانتخب الكاتب فتحي فوراني رئيسًا، وتولّى الأمانة العامة الكاتب سعيد نفّاع، وعقد مؤتمره الثاني عام 2017. (صفحة 141) (1).

*"الاتّحاد العام للكتّاب الفلسطينيين- الكرمل 48"، ثمرة وحدة الإطارين أعلاه من تاريخ 9.2.2019  وتمّت فيها التوافق على سعيد نفّاع أمينًا عامًا، وجهاد بلعوم نائبًا له. (صفحة 151) (1)

*بتاريخ 12.2.2022 انشقّت مجموعة من الكرمل- 48" السابق ذكره، على خلفيّة نتائج انتخابات المؤتمر الوحدوي الأوّل 11.12.21، على رأسها الكاتب محمّد هيبي، وشكّلت نفسها تحت اسم "الاتّحاد القطري للأدباء الفلسطينيين". (صفحة 177) (1)

وهنا أضع استنتاجي حول مسبّبات تدحرج المشهد الثقافي لفلسطينيي الدّاخل (48) في ثلاثة بنود كما أسلفت:

1- الذاتيّة العالية لدى بعض الكتّاب، والتركيز على كلمة البعض لئلّا يُساء فهمي، والتي تصل أحيانًا حدّ الطاووسيّة المفرطة، مما تنسيهم دورهم الوظيفي في المجتمع كجزء أساسي من بناة الأمّة، وتجعلهم أرضًا خصبة للتجاذبات.

2- التجاذبات السياسيّة: معظم الكتّاب ينتمون إلى تيّارات فكريّة سياسيّة، ولهم موقف منها ومقولة فيها، وبطبيعة الأمور فإن هذه الانتماءات تؤدّي إلى انقسامات وتجاذبات، تندمج وتتفاعل وتنمو على أرضيّة الذاتيّة المفرطة، فتتشظّى بسببها، خصوصًا على خلفيّة انتخابات مؤتمرات اتّحادات الكتّاب. ففي كل انتخابات توجد مجموعة رابحة ومجموعة خاسرة لا ترتضي بالحسم الديمقراطي، فتجنح إلى التخريب من خلال التشكيك بالنتائج أوّلًا ثم شدّ الحبال نحو اصطفاف تكتّلي يهدف إلى الانشقاق في حالة توفّر الظروف، وتغذّيها الانتماءات الحزبيّة الفكريّة إلى أقصى حدّ ممكن.

3- الذاتيّة الطاووسيّة المفرطة، والتجاذبات السياسيّة، معًا، تؤسّسان لأرضٍ خصبة لتسلّل السلطة بمفاهيمها المختلفة، لضرب إسفين وتسريع الانقسامات، على أساس التمويل والموالاة. وفي واقع حالنا اليوم هنالك تجاذب بين سلطتين: سلطة الكيان، والسلطة الفلسطينيّة على علّاتها، ورغم ارتباطها الأوسلويّ مع الكيان، مما يخفّف من توتر الحرج. والجوائز قناة من قنوات التمويل بما فيها تمويل طباعة الكتب كأداة تصبو للسيطرة على المضامين طوعًا.

فها هي وكالة المخابرات المركزيّة الأمريكيّة قد أسّست ذراعًا تمويهيّة دعائيّة أسمتها "منظّمة حريّة الثقافة" “American Committee for Cultural Freedom- ACCF”، خلال الفترة التي أعقبت الحرب العالميّة الثانية مباشرة، وقامت بتمويل العديد من المجلّات الأدبيّة المعروفة، فضلًا عن قيامها بتنظيم المؤتمرات الأدبيّة في كافة أنحاء العالم، ومنها على سبيل المثال مؤتمر روما الشهير الذي عُقد عام 1961.. وقد ساهمت منظمة حريّة الثقافة، التي تتخفّى خلفها المخابرات المركزيّة الأمريكيّة، بتمويل مجلّة "شعر" التي قام بتحريرها الشاعر يوسف الخال، ومجلّة "حوار" التي ترأس تحريرها الشّاعر توفيق الصايغ (3)، وقد تدخّلت صناديق التمويل بتسمية رؤساء التحرير لحسم صراعات أدبيّة بين تيّاري الحداثة والمحافظة، نصرة لاستراتيجيّات بعيدة المدى تخدم مصالحها، برغم ما يبدو غريبًا وبعيدًا عن المعقوليّة، مع أن العديد ممن نشر في هذه المجلّات ذات الأسماء اللّامعة لم يدر بمصادر التمويل. فما بالكم بأجهزة الكيان المخابراتيّة والوزاريّة التمويليّة!

وجميل في هذا السياق أن نقرأ ما كتبه العلّامة عبد الرحمن بن محمّد بن خلدون، المتوفي عام 808 هجرية (1406م)، في مقدّمته تحت عنوان "في التفاوت بين مراتب السيف والقلم في الدول":

"اعلم أنّ السيف والقلم كلاهما آلة لصاحب الدولة يستعين بهما على أمره. إلّا أنّ الحاجة في أوّل الدولة إلى السيف ما دام أهلها في تمهيد أمرهم أشدُُّ من الحاجة إلى القلم، لأنّ القلم في تلك الحال خادمٌ فقط منَفِّذٌ للحُكم السلطانيّ، والسيف شريكٌ في المعونة. وكذلك في آخر الدولة حيثُ تضعفُ عصبيَّتُها كما ذكرناه، ويقلُّ أهلُها بما ينالُهُم من الهَرَم الذي قدَّمناه، فتحتاج الدّولة إلى الاستظهار بأرباب السيوف وتقوى الحاجة إليهم في حماية الدولة، والمدافعة عنها، كما كان الشأن أوَّلَا لأمر في تمهيدها. فيكون للسيف ميزة على القلم في الحالتين. ويكون أرباب السّيف حينئذٍ أوسعَ جاهًا وأكثرَ نعمةً وأسنى إقطاعًا. وأمّا في وسط الدولة فيستغني صاحبها بعض الشيء عن السيف لأنّه قد تمهَّدَ أمرُه، ولم يبق همُّهُ إلَّا في تحصيل ثمرات المُلك من الجباية والضبطِ ومباهاة الدولِ وتنفيذ الأحلام، والقلم هو المعين له في ذلك، فتعظُمُ الحاجةُ إِلى تصريفهِ، وتكون السيوف مهملةً في مضاجعِ أَغمادِها، إِلَّا إذا نابت نائبةٌ أَو دُعيَت إِلى سدِّ فُرجَةٍ، وما سِوَى ذلك فلا حاجَةَ إِليها. فيكون أرباب الأقلام في هذه الحاجة أوسع جاهًا، وأعلى رتبةً، وأعظم نعمةً وثروةً، وأقرب من السلطان مجلسًا، وأكثر إليهِ تردُّدًا وفي خلواته نجيًّا، لأنّه حينئذٍ آلته التي بها يستظهر على تحصيل ثمرات ملكه، والنظر في أعطافه، وتثقيف أطرافه، والمباهاة بأحواله، ويكون الوزراء حينئذ وأهل السيوف مستغنى عنهم، مُبعدين عن باطن السلطان، حذرين على أنفسهم من بوادره"(4) 

ويُسأل السؤال: هل هذه بداية ونهاية بحسب نص ابن خلدون، أم قد تكون ذات طبيعة دوريّة ما بين صعود وهبوط قبل خطّ النهاية! ولكن يجدر التعلّم من تجارب أدوات السيطرة الخفيّة على البعض، المكشوفة على أعين البعض، حتّى نعلم أنّنا لا نتحرّك في فراغ، بل في حيّز عيون الرقيب وسيوفه وأمواله وأتباعه!

المصادر والملاحظات:

(1) نفّاع، سعيد، الأطر التنظيميّة الأدبيّة في ال48، مكتبة كل شيء، حيفا- 2025.

(2) كاتب المقال يشغل حاليًا موقع نائب الأمين العام للاتّحاد العام للكتّاب الفلسطينيين- الكرمل 48.

(3) كريسويل، روبن، مدينة البدايات، الحداثة الشعريّة في بيروت، دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر، الطبعة الأولى 2022، ترجمة وتقديم د. عابد اسماعيل، دمشق- سوريا. صفحات: 14-15.

(4) ابن خلدون، عبد الرّحمن بن محمّد، تاريخ ابن خلدون، المجلّد الأوّل، المقدّمة، دار الكتب العلميّة، الطبعة الثانية 2016، بيروت- لبنان. تحقيق عادل بن سعد، صفحات: 200-201.


الصحافة وَأدباء المهجر ـ الأسترالي

 


صدر أخيراً في مدينة مالبورن الأستراليّة كتاب "الصحافة وأدباء المهجر"  لمؤلّفه د. فؤاد الحاج، الكاتب والشاعر والناشط السياسي ـ الأسترالي ـ  اللبناني الأصل ـ ويهديه "إلى من يؤمن بأن الحياة كانت كلمة.. وإلى الذين حافظوا على نقائها وصفائها.. وإلى كلّ شمعة تحترق لتنير الدرب للآخرين.."، ويصول ويجول فيه متنقلاً بين موضوعات شتى، معرّفاً بخصائص الشعر الفصيح والشعر العامّي، بأصول فنّ الزجل، بتاريخ القصّة عند العرب، بالأدب العربي في أستراليا، بالأدب والأدباء والروابط والمنتديات والجمعيّات الأدبيّة والثقافية في أستراليا، ذاكراً، مثالاً لا حصراً: رابطة إحياء التراث العربي، المركز الثقافي الأسترالي العربي ـ منتدى بطرس عنداري، جمعيّة إنماء الشعر والتراث، المنتدى الثقافي الأسترالي العربي، عصبة الزجل اللبناني، منتدى الأحد الثقافي الذي أسّسه الشاعر وديع سعادة والشاعر شوقي مسلماني والصحافي والأديب أنيس غانم واستمرّ سنتين، ولقاء الأربعاء الثقافي، وعن الأخير يقول: "شهدت سيدني عام 2016 تأسيس "لقاء الأربعاء الثقافي"، كان من الأنشط في تاريخ الجالية العربيّة الأستراليّة، استمرّ أسبوعيّاً ـ مساء كلّ أربعاء ـ  دون انقطاع أكثر من ثلاث سنوات مستضيفاً مثقّفين وأدباء وشعراء وفنّانين ورجال دين من مختلف الطوائف والمذاهب.. وأطبّاء وسياسيين وعسكريين وقانونيين، منهم مثالاً لا حصراً أيضاً: مفتي أستراليا الإمام تاج الدين الهلالي، رئيس المحكمة العسكريّة في لبنان اللواء خليل إبراهيم، السفير الفلسطيني إلى أستراليا الكاتب والباحث علي القزق، مسؤول الوكالة الوطنيّة لللإعلام اللبناني الشاعر سايد مخايل، الشيخ كامل وهبي، الشيخ نامي فرحات، شاعر الغربة الطويلة الشاعر شربل بعيني، الشاعر والصحافي أنطوان القزّي، الأب يوسف جزراوي، الشيخ مصطفى راشد. وتوقّف النشاط عشيّة  وباء كورونا سنة 2019، وإن استمر متقطّعاً حيث آخر ندوة عقدها كانت للباحث والمفكّر العراقي د. خزعل الماجدي. أسّس اللقاء عدد من الشعراء والمثقّفين العرب الأستراليين وهم: الشاعر شوقي مسلماني، المهندس علي موسى حمّود، د. حسين شمص، الكاتب د. رامز رزق، السناتور شوكت مسلماني، المهندس علي محي الدين، الفنّانة فيكي مارون، الشاعر غسّان المنجد، القاصّ سليمان الفهد، الفنّان مروان عكرماوي، الناشط حسن فخر الدين، الناشط حسين مصطفى، رئيس تحرير جريدة الأبزرفر العالميّة د. ممدوح سكّريّة، المهندس سام حبّ الله، الناشط خالد غنّام، الشاعر أحمد الحسيني، المحامي حسن الحسيني، الأساتذة فوزي أمين، طنّوس فرنسيس، سامي أيّوب، حسن مرتضى، حسين مصطفى، شبيب مطر، غسّان وحسّان وعدنان وهبي، موفّق سلامي، خليل اسماعيل، جعفر بعلبكي، جمال طنانا، غندورة بزّي، المصوّر مصطفى حجازي والمصوّر المساعد علي فارس، البروفسّور جواد حيدر، د. قاسم مصطفى ود. جمال رزق". 

أمّا مصادر ومراجع الكتاب فهي كثيرة ونذكر منها: "شمس العرب تسطع على الغرب" لمؤلّفه "زيغريد هونكه" ـ دار الجمل، "العقّاد وفنّ القصّة" لمؤلّفه شوقي بدر يوسف، "تاريخ الأدب العربي ـ الأدب الجاهلي" لمؤلّفه شوقي ضيف ـ دار المعارف ـ مصر، "نشرة بوكوك" وهي النشرة التي ألهمت جيل الناشرين الغربيين ونبّهت إلى أهميّة نصّ إبن طفيل، "التزامن بين الحروب الصليبيّة وألف ليلة وليلة ـ الخسائر والأرباح" لمؤلِّفه عبد الغني الملاّح ـ دار الحريّة ـ بغداد، "جماعة أبّولو" التي اتّخذت هذا الإسم عن إسم الإله الإغريقي القديم وهو "أبّولو" وإشارة إلى اتّساع مجالات الثقافة المتّصلة بمحبّة الفلسفة، "مدرسة الديوان" التي قامت على ثلاثة من كبار أدباء وشعراء مصر وهم عباس محمود العقّاد، إبراهيم المازني وعبد الرحمن شكري،  "حضارة العرب ومراحل تطورها عبر العصور" لمؤلِّفه د. أحمد سوسة ـ  صادر عن وزارة الإعلام العراقية ـ 1979. 

"الصحافة وأدباء المهجر" في 225 صفحة وتمّ نشره الكترونياً. 


تغطية حفل إطلاق كتاب عباس علي مراد "في كل سنبلة مائة حبة"

 







الأحد الواقع في 3/5/2026 وبدعوة من إصدقاء الشاعر عباس علي مراد وقع الشاعر كتابه "في كل سنبلة مائة حبة" في حفل ثقافي مميز في قاعة سيتي فيو في لاكمبا التي سهرت ادارتها على تأمين نجاح

 هذه المناسبة.

بدأ الحفل بالوقوف دقيقة صمت على أرواح شهداء العدوان  الاسرائيلي.

عرف المناسبة الدكتور عماد برو بأسلوبه السلسل والشيق في تقديم المتكلمين الذين شاركوا في هذه المناسبة وهم:

رئيس عصبة الزجل في أستراليا الشاعر لطيف مخايل الذي ألقى قصيدة وطنية معبرة وتحث بإسلوب شعري جذاب عن الكتاب والكاتب.

الكاتبة والأديبة كاميليا نعيم التي القت كلمة نشرت فيها عطر كلماتها وجميل عباراتها واعطت كلمتها بعداً جميلاً آخر.

الشاعر المهندس والرئيس القاري للجامعة اللبنانية في العالم بدوي الحاج والذي قدم عرض مميز للكتاب وختم بالقول سنابل الشهادة على الحق ثابتة، تنحني لها القامات، منبت للصمود، معقل للتحير ومربض للحرية.

حضر الحفل العديد من الشخصيات السياسية وممثلي الأحزاب والمؤسسسات الإجتماعية والثقافية والإعلامية وأصدقاء الشاعر الذين غصت بهم القاعة.


صدور كتاب جديد للدكتور حسن العاصي: فلسطين في المخيال العربي الحديث.. سرديات الهوية والذاكرة

 





صدر حديثًا عن الهيئة الوطنية للكتاب في الدنمارك كتاب جديد للدكتور حسن العاصي، يأتي في لحظة تاريخية تتسم بالارتباك، حيث تتراجع القضايا الكبرى أمام ضجيج المصالح والتحالفات، وتتسارع التحولات السياسية والاجتماعية التي تعيد تشكيل المفاهيم الكبرى. في هذا السياق، يطلّ الكتاب ليعيد الاعتبار لفلسطين بوصفها قضية وجدانية وأخلاقية قبل أن تكون سياسية. يحمل الكتاب عنوان "فلسطين في المخيال العربي الحديث: سرديات الهوية والذاكرة"، ويعيد إلى الواجهة سؤالًا ظلّ حاضرًا في الوجدان العربي منذ قرن كامل: كيف تسكن فلسطين القلب العربي؟ وكيف تغيّرت صورتها في الوعي الجمعي عبر الزمن؟كتاب الدكتور حسن العاصي ليس مجرد إضافة إلى رفوف المكتبة العربية، بل هو حدث ثقافي وفكري يعيد طرح السؤال الفلسطيني من زاوية مختلفة، زاوية الذاكرة والرمز والهوية.


منذ بدايات القرن العشرين، لم تكن فلسطين مجرد جغرافيا متنازع عليها، بل كانت صورة معلّقة في غرفة الجدة، وأغنية تُردّد في الأعراس، وحكاية تُروى للأطفال قبل النوم، واسمًا يُطلق على المولود الجديد. كانت فلسطين جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، من الثقافة الشعبية التي تُعبر عن الوجدان الجمعي، وعن الحلم العربي في التحرر والانتماء. هذا الكتاب يعيد رسم تلك الصورة التي حاولت السياسة أن تُثقلها بالملفات والاتفاقيات، ويكشف كيف ظلّت فلسطين رمزًا للكرامة والحق والبطولة في المخيال العربي، رغم كل التحولات والانكسارات.


إن صدور هذا الكتاب في هذا التوقيت ليس مجرد مصادفة، بل هو استجابة لحاجة ملحّة إلى إعادة التفكير في معنى فلسطين داخل الوعي العربي. ففي زمن التطبيع وإعادة ترتيب الأولويات، وفي لحظة تتناقض فيها المواقف الرسمية مع ردود الفعل الشعبية، يفتح هذا العمل نافذة للتأمل النقدي، ويمنح القارئ فرصة لإعادة النظر في العلاقة بين العرب وفلسطين، بعيدًا عن الشعارات، وقريبًا من الإنسان.


هذا الكتاب، الذي يمتد على أكثر من ثلاثمئة صفحة، ليس مجرد دراسة أكاديمية أو سرد تاريخي، بل هو رحلة فكرية عميقة في الذاكرة والرموز والثقافة الشعبية. يذهب المؤلف إلى ما وراء الخطابات الرسمية والبيانات السياسية، ليكشف كيف تجلّت فلسطين في الأغنية، في الدعاء، في الحكاية، في أسماء الأطفال، وفي الجداريات التي زيّنت المدن العربية. إنها فلسطين التي كانت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تُثقلها الحسابات السياسية وتختزلها المؤتمرات والاتفاقيات.


بين الذاكرة والهوية


يطرح الكتاب أسئلة صعبة دون مجاملة: هل ما زالت فلسطين تسكن القلب العربي بذات القوة؟ أم أن حضورها بات انتقائيًا، وظيفيًا، أو حتى هشًا؟ هل التضامن الشعبي فعل أصيل، أم رد فعل ظرفي؟ هذه الأسئلة لا تُطرح هنا من باب الإدانة أو التمجيد، بل من باب الفهم والتحليل، من باب الرغبة في إعادة التفكير في علاقتنا بفلسطين كجزء من سؤال الهوية والكرامة والعدالة.


يضع الدكتور حسن العاصي القارئ أمام حقيقة أن فلسطين لم تكن يومًا مجرد قضية سياسية، بل كانت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية للعرب. في الأغنية التي تردّدها الأمهات، في الدعاء الذي يرفعه المؤمنون، في الجداريات التي تزيّن المدن، وفي أسماء الأطفال التي تحمل فلسطين كأمانة. هذا الحضور الوجداني هو ما يحاول الكتاب أن يعيد اكتشافه، بعيدًا عن الخطابات الرسمية التي كثيرًا ما شوّهت الصورة أو اختزلتها في بيانات سياسية.


منذ النكبة عام 1948، مرورًا بنكسة 1967، وصولًا إلى الانتفاضات والاتفاقيات، ظلّت فلسطين نقطة التقاء وجداني بين الشعوب العربية، رغم تباين الأنظمة وتعدد السياقات. لكن هذا الحضور لم يكن دائمًا نقيًا، بل خضع لتوظيفات سياسية وأيديولوجية ودينية، وحتى تجارية. الكتاب يسلّط الضوء على هذا التناقض بين الرسمي والشعبي، بين الخطاب والممارسة، بين العاطفة والعقل، ليكشف كيف تغيّرت صورة فلسطين في المخيال العربي الحديث.


المثقف الفلسطيني والكتابة من داخل الجرح


من أبرز ما يطرحه الكتاب هو التحدي الذي يواجهه المثقف الفلسطيني والعربي في الكتابة عن فلسطين. كيف يمكن أن يكتب بصدق عن قضيته دون الوقوع في فخ التقديس أو التعميم؟ وكيف يمكن أن ينصف من وقف معه دون أن يجامل من خذله؟ هذه الأسئلة تطرح نفسها بقوة في ظل التحولات الأخيرة، التي كشفت عن هشاشة بعض المواقف الرسمية، وعن عمق بعض المبادرات الشعبية.


إن كتابة 300 صفحة بهذا العمق والاتساع ليست مهمة سهلة، بل هي مغامرة فكرية تتطلب شجاعة وصبرًا وإخلاصًا. لقد منحنا الدكتور حسن العاصي نصًا يضيء العتمة، ويعيد للذاكرة العربية نبضها، وللقضية الفلسطينية مكانتها في القلب والوعي. إنه ليس مجرد إضافة إلى المكتبة العربية، بل هو دعوة إلى التفكير النقدي، إلى إعادة طرح السؤال الفلسطيني من زاوية وجدانية وثقافية، بعيدًا عن الشعارات، وقريبًا من الإنسان.

بنية الكتاب ومنهجيته


تكمن أهمية هذا الكتاب في أنه يوازن بين الصرامة البحثية والدفء الإنساني، بين التحليل النقدي والوفاء للذاكرة. فهو لا يقدّم إجابات جاهزة، بل يفتح المجال أمام القارئ للتأمل وإعادة النظر. ينقسم إلى خمسة فصول، كل فصل يفتح نافذة جديدة على علاقة العرب بفلسطين: من الثقافة الشعبية إلى الخطاب الرسمي، من المثقف إلى المواطن، من التضامن إلى الخذلان.


الكتاب من إصدار هيئة الكتاب الوطنية الدنماركية، ويحتوي 300 صفحة.


قدمت الكتاب الذي ينقسم إلى خمسة فصول الدكتورة ليلى فرسخ أستاذة العلوم السياسية في جامعة ماساتشوستس في بوسطن بالولايات المتحدة الأمريكية.                                                                    


كل فصل يتناول زاوية مختلفة من العلاقة بين العرب وفلسطين. من الثقافة الشعبية إلى الخطاب الرسمي، من المثقف إلى المواطن، ومن التضامن إلى الخذلان. اعتمد المؤلف على تحليل الخطاب، مراجعة التجارب، واستحضار الأمثلة من مختلف السياقات العربية، ليقدّم قراءة نقدية لا تدّعي الشمول، بل تهدف إلى إثارة التفكير وإعادة طرح الأسئلة.


أثر الكتاب وأهميته


إن صدور هذا الكتاب في هذا التوقيت يشكّل حدثًا ثقافيًا مهمًا، لأنه يعيد الاعتبار لفلسطين كجزء من سؤال الهوية العربية، ويمنح القارئ فرصة لإعادة التفكير في معنى التضامن، وفي كيفية حضور فلسطين في المخيال الجمعي. إنه كتاب سيبقى طويلًا في ذاكرة القراء، لأنه يطرح الأسئلة التي نخشى مواجهتها، ويمنحنا الأدوات لفهم ذواتنا من خلال فلسطين.


هذا العمل يثبت أن المثقف الفلسطيني قادر على أن يكتب عن قضيته بصدق، وعن محيطه العربي بإنصاف، وأن يحافظ على البوصلة الأخلاقية دون أن يفقد القدرة على النقد. وهو أيضًا شهادة على أن الكتابة عن فلسطين ليست مجرد واجب، بل هي فعل حب، وفعل وفاء، وفعل مقاومة.


صدور هذا الكتاب يشكّل حدثًا ثقافيًا مهمًا، لأنه يعيد الاعتبار لفلسطين كجزء من سؤال الهوية العربية، ويمنح القارئ فرصة لإعادة التفكير في معنى التضامن، وفي كيفية حضور فلسطين في المخيال الجمعي. إنه كتاب سيبقى طويلًا في ذاكرة القراء، لأنه يطرح الأسئلة التي نخشى مواجهتها، ويمنحنا الأدوات لفهم ذواتنا من خلال فلسطين.


كتاب الدكتور حسن العاصي ليس مجرد دراسة أكاديمية، بل هو شهادة وجدانية على أن فلسطين لا تزال تسكن القلب العربي، رغم كل التحولات والانكسارات. إنه دعوة إلى التفكير النقدي، وإلى إعادة النظر في علاقتنا بفلسطين، بعيدًا عن الشعارات، وقريبًا من الإنسان.


ومما جاء في تقديم الكتاب من قبل الدكتورة ليلى فرسخ:


حين يضع القارئ هذا الكتاب بين يديه، فإنه لا يواجه مجرد دراسة أكاديمية أو سرد تاريخي، بل يدخل إلى فضاءٍ واسع من الأسئلة والذاكرة والرموز التي شكّلت وجدان العرب على امتداد قرن كامل. لقد استطاع الدكتور حسن العاصي أن يقدّم عملًا يتجاوز حدود التوثيق، ليصبح بمثابة مرآة تعكس صورة فلسطين في المخيال العربي الحديث، بكل ما فيها من قوة ورهافة، من حضورٍ وجداني ومن تحولاتٍ سياسية واجتماعية.


هذا الكتاب، الذي استغرق جهدًا كبيرًا وصبرًا طويلًا، هو ثمرة سنوات من البحث والتأمل والكتابة.


د. حسن لم يكتفِ بجمع النصوص أو مراجعة المراجع، بل غاص في عمق الثقافة الشعبية، في الأغنية والحكاية والدعاء والرمز، ليستخرج منها صورة فلسطين كما عاشها الناس، لا كما صاغتها البيانات الرسمية. هنا نقرأ فلسطين التي كانت تُغنّى في الأعراس، وتُكتب في دفاتر التلاميذ، وتُرسم على جدران المدارس، ونكتشف كيف ظلّت رمزًا للكرامة والحق والبطولة، حتى حين حاولت السياسة أن تُثقلها بالملفات والتحالفات.


إن قيمة هذا العمل تكمن في أنه يطرح الأسئلة الصعبة دون خوف: هل ما زالت فلسطين تسكن القلب العربي بذات القوة؟ أم أن حضورها بات انتقائيًا، وظيفيًا، أو حتى هشًا؟ هل التضامن الشعبي فعل أصيل، أم رد فعل ظرفي؟ هذه الأسئلة لا تُطرح هنا من باب الإدانة أو التمجيد، بل من باب الفهم والتحليل، من باب الرغبة في إعادة التفكير في علاقتنا بفلسطين كجزء من سؤال الهوية والكرامة والعدالة.


لقد نجح د. العاصي في أن يوازن بين الصرامة البحثية والدفء الإنساني، بين التحليل النقدي والوفاء للذاكرة. الكتاب ينقسم إلى فصول متعددة، كل فصل يفتح نافذة جديدة على علاقة العرب بفلسطين: من الثقافة الشعبية إلى الخطاب الرسمي، من المثقف إلى المواطن، من التضامن إلى الخذلان. وهو بذلك لا يقدّم إجابات جاهزة، بل يفتح المجال أمام القارئ للتأمل وإعادة النظر.


أقدّر كثيرًا الجهد الكبير الذي بذله حسن في إنجاز هذا الكتاب. إن كتابة 300 صفحة بهذا العمق والاتساع ليست مهمة سهلة، بل هي مغامرة فكرية تتطلب شجاعة وصبرًا وإخلاصًا. لقد منحنا الدكتور حسن نصًا يضيء العتمة، ويعيد للذاكرة العربية نبضها، وللقضية الفلسطينية مكانتها في القلب والوعي.


هذا الكتاب ليس مجرد إضافة إلى المكتبة العربية، بل هو دعوة إلى التفكير النقدي، إلى إعادة طرح السؤال الفلسطيني من زاوية وجدانية وثقافية، بعيدًا عن الشعارات، وقريبًا من الإنسان. وهو أيضًا شهادة على أن المثقف الفلسطيني قادر على أن يكتب عن قضيته بصدق، وعن محيطه العربي بإنصاف، وأن يحافظ على البوصلة الأخلاقية دون أن يفقد القدرة على النقد.


شكراً لك يا د. حسن، لأنك منحتنا هذا العمل الذي سيبقى طويلًا في ذاكرة القراء، ولأنك أثبت أن الكتابة عن فلسطين ليست مجرد واجب، بل هي فعل حب، وفعل وفاء، وفعل مقاومة.

هكذا تكلّم (Gemini): الثقافة وتقديس الموتى: حوار الأجيال والأفكار.. فراس حج محمد والذكاء الاصطناعي

 


أتابعُ ما بدأته سابقاً من تحليل نقدي إلكتروني مستعينا بأدوات الذكاء الاصطناعي، فسبق أن حللت هذه الأدوات مقالات متعددة كتبتها عن محمود درويش، والآن، وبمناسبة ذكرى رحيل حسين البرغوثي (توفي 1/5/2002)، ووقوع المثقفين في الهوّة نفسها، التجأت إلى (Gemini) ليحلل مقالا كتبته سابقا حول كيف تلقى الأصدقاء البرغوثي بعد موته في ذكراه السنوية، وبعد أن أرفقت للأداة نص المقال، ألقمتها أيضاَ هذه "الهندسية" من الطلب: "قم بتحليل وتقييم المقال المرفق، بناء على مقولاته الأساسية في التلقي المبالغ فيه لأعمال الأدباء الراحلين، وإن كان يكشف عن نمط معين في العقلية العربية، وهل هذا هو مرض في هذه العقلية؟ وبيّن لي المبررات العقلية والمنطقية والمحاججة التي استند عليها صاحب المقال لنقض ونقد هذه الطريقة في التلقي".

فكان جوابه على النحو الآتي:

تعد ظاهرة "التمجيد الجنائزي" للأدباء والمبدعين في الفضاء الثقافي العربي المعاصر واحدة من أكثر الظواهر تعقيداً، حيث تتداخل فيها مشاعر الوفاء الإنساني مع آليات "الأسطرة" المنهجية التي تمارسها النخب الثقافية تجاه رفاقها الراحلين. يطرح الناقد والباحث الفلسطيني فراس حج محمد في مقاله التحليلي "الراحلون في نظر أصدقائهم - حسين البرغوثي نموذجاً" تساؤلات حادة ومشروعة حول الدوافع الكامنة خلف هذا النمط من التلقي المبالغ فيه، معتبراً إياه إشكالية بنيوية تعكس حالة من التشظي في المشهد الثقافي الفلسطيني والعربي. 

تنطلق هذه الدراسة الاستقصائية من تحليل مقولات المقال الأساسية، ومحاولة الكشف عما إذا كان هذا السلوك يمثل "نمطاً" مستقراً في العقلية العربية، وصولاً إلى تشخيص مدى كونه "مرضاً" ثقافياً، مع استعراض شامل للمبررات العقلية والمنطقية والمحاججات النقدية التي استند إليها الكاتب لنقض هذه الطريقة في التلقي.

يرتكز المقال على مقولة تأسيسية ترى أن التقدير الثقافي للأديب في العالم العربي يكتسب طابعاً "قدسياً" فقط بعد غيابه الفيزيائي، وهو ما يصفه بـ "مشكلة بعض الكتّاب" الذين يتحدثون عن أسلافهم الموتى بما لم يجرؤوا أو يرغبوا في قوله وهم أحياء، هذا التفاوت الزمني في التقييم يشير إلى وجود "فجوة اعتراف" يتم ردمها بالإنشاء والمديح المفرط بمجرد أن يصبح الأديب في "مأمن" الموت.

لقد ركز الكاتب على نماذج فلسطينية بارزة مثل أحمد دحبور، وزكريا محمد، وسليم النفار، لكنه اتخذ من حسين البرغوثي نموذجاً صارخاً لهذه الحالة، المقولة هنا هي أن الأصدقاء "يؤسطرون" الراحل ويحيطونه بصورة مهولة بعيدة، مستخدماً أوصافاً مثل "الوحي النبوي" و"العبقرية الإعجازية"، وهي أوصاف يراها الكاتب بعيدة عن الواقع الفعلي للنصوص المنتجة، بل وقد تكون محل سخرية من الراحل نفسه لو كان حياً ليسمعها. إن هذه الأسطرة تحول الأديب من كائن إنساني قلق يبحث عن الحقيقة إلى "أيقونة" جاهزة وناجزة، ما يقتل روح النقد والمراجعة العلمية لأعماله.

يكشف المقال عن نمط عميق في العقلية العربية يميل إلى "تقديس الأموات" والغلو فيهم، وهو نمط لا يقتصر على الأدب فحسب، بل يمتد ليشمل الحقول الدينية والسياسية والاجتماعية. يرى حج محمد أن هذا النمط يعكس "أزمة شخصية" لدى المثقف الذي يمارس المديح المجاني، حيث يهرب من استحقاقات نقد الواقع والأحياء إلى "تربة الراحلين" حيث الصداقة فعل منجز وكامل لا خطر منه.

هذا النمط في العقلية الثقافية يميل إلى "إعادة تسويق الخواء" تحت مسميات براقة مثل "ما بعد الحداثة" أو "التمرد على اللغة"، بدلاً من تقديم دراسات واقعية توازن بين الجوانب الجمالية والجدوى الاجتماعية. العقلية هنا تفضل "الغموض والإبهام" وتعتبرهما دليلاً على العبقرية، بينما يرى الكاتب أن الإغراق في الغموض هو عجز عن التواصل مع القارئ العادي وهدف القضية الأساسية، وهي "الانعتاق من ربقة الصهيونية".

إن "تقديس الجهل" أو "ثقافة الهبل" التي أشار إليها الكاتب جميل السلحوت في سياقات أخرى تتقاطع مع هذا النمط، حيث يتم تغييب العقل النقدي لصالح العاطفة الجياشة التي يثيرها الموت. العقلية العربية، وفقاً لهذا التحليل، تعاني من "اغتراب عن الحاضر"، حيث تستخدم الموت كأداة للتعبير عن حنين لماضٍ (أو رموز) يُصوّر كأنه الأفضل، بينما يتم تهميش الطاقات الإبداعية الحية.

عند محاولة تشخيص هذا السلوك بوصفه "مرضاً"، نجد أن فراس حج محمد- رغم عدم استخدامه الصريح للفظ "مرض" كتشخيص طبي- يصف الحالة بأوصاف تدل على "اعتلال" وظيفي وبنيوي في العقل الثقافي. إن استخدامه لمصطلحات مثل "اللغة الممجوجة القاتلة"، و"تعميق الأزمة الشخصية"، و"مدح الخواء"، و"التشظي" يوحي بأننا أمام حالة غير صحية من الوعي.

سوسيولوجياً وفلسفياً، يمكن اعتبار "تقديس الموتى" مرضاً ثقافياً عندما يؤدي إلى "شلل الإبداع" و"تعطيل العقل". إن العقلية التي لا تجرؤ على نقد الراحلين وتراهم "فوق المساءلة" هي عقلية تعاني من "عقدة النبذ" أو "الإحباط"، حيث تلجأ لاختراع أساطير لتعطي لحياتها قيمة ومعنى في ظل واقع مهزوم. هذا "التشوه في إدراك الموت" يعكس ضعفاً في الشخصية والحرية الذاتية؛ فالإنسان القوي هو من يدرك الموت كواقع بيولوجي ولا يحوله إلى أداة لقمع العقل.

استخدم المقال استراتيجيات محاججة قوية تهدف إلى خلخلة "اليقينيات" التي يفرضها أصدقاء الراحلين. وتتنوع هذه المبررات بين ما هو أخلاقي، ومعرفي، ووطني.

يحاجج الكاتب بأن السكوت عن الأديب في حياته ثم "الانفجار" في مدحه بعد وفاته هو دليل "منطقي" على أن المديح ليس نابعاً من تقييم فني حقيقي، بل من "مجانية الكتابة". فالميت لا يطلب ثمناً، ولا يغير رأيه، ولا ينافس المادح في مناصبه أو مكانته. هذا التبرير يضرب "أخلاقية" الخطاب التبجيلي ويكشف عوراته النفعية. وفي حالة حسين البرغوثي تحديداً، يرى الكاتب مفارقة منطقية مذهلة؛ إذ يدعي المادحون أن البرغوثي "ما بعد حداثي" وقلق وجودي، لكنهم يعاملونه بأحكام "يقينية قاطعة". هذا التناقض ينقض المحاججة من أساسها؛ فإما أن يكون الأديب قلقاً وبشرياً وقابلاً للنقض (وهذا ما تدعيه ما بعد الحداثة)، وإما أن يكون "نبياً" مقدساً (وهذا نقيض الحداثة تماماً).

ينطلق حج محمد من مبرر "الالتزام الوطني"؛ ففي حالة شعب تحت الاحتلال، تكون الوظيفة الأساسية للثقافة هي "المقاومة" والوضوح والاشتباك. إن الإغراق في "اللغة الشاذة" والألغاز والأحجيات (كما يراها في نصوص البرغوثي) هو منطقياً انسحاب من المعركة الحقيقية نحو "منافع محدودة" وفلك شخصي ضيق. هذا المبرر العقلي يربط بين "جمالية النص" وبين "فاعليته الاجتماعية".

يحاجج الكاتب بأن اللغة التي تحتاج لـ "فك شيفرات" وألغاز ليست لغة مبدعة، بل هي لغة "معزولة". ويستدل على ذلك بمقارنة ذكية بين ترجمة عبد الرحيم الشيخ لكتاب البرغوثي الأخير وترجمة كمال أبو ديب لإدوارد سعيد، حيث يرى أن كليهما سقط في فخ "التكلف" الذي ينفر القارئ ويجعل النص "منغصاً". المبرر المنطقي هنا هو أن الأدب الذي لا يُفهم لا يؤثر، وما لا يؤثر لا يستحق مرتبة "القداسة".

يعتبر حسين البرغوثي في مقال حج محمد الحالة الدراسية الأبرز. لقد فكك الكاتب صورة البرغوثي من خلال عدة زوايا نقدية:

1. اللغة الشاذة: يصف الكاتب لغة البرغوثي بأنها "شاذة لا تظفر منها بشيء"، معتبراً أن "الأحجيات والألغاز" ليست ميزة فنية بل هي عائق معرفي.

2. النخبوية المعزولة: يجادل الكاتب بأن البرغوثي "نخبوي غير مؤثر"، ليس لصعوبته الفنية بل لتعمده الغموض الذي يجعله "معزولاً مفرداً كالبعير المعبد".

3. النقد التكويني للطبعات: يشير الكاتب إلى الاختلافات بين طبعتي كتاب البرغوثي "حجر الورد"، متسائلاً عن منشأ هذه الاختلافات ودلالاتها، مما يفتح الباب للشك في "نهائية" و"قداسة" هذه النصوص.

4. نقد المترجمين والوسطاء: يركز حج محمد على المصطلحات المستخدمة من قبل عبد الرحيم الشيخ، منتقداً استخدامه كلمة "حوّله" بدل "ترجمه"، ومعتبراً إياها تلاعباً لغوياً "مستفزاً" لا يخدم النص الأصلي بل يزيده إبهاماً.

يقدم المقال محاججة جوهرية حول تعريف "المثقف". يرى حج محمد أن "صفة المثقف يجب ضبطها"؛ فليس كل من اجترح تراكيب معقدة أو أصدر عشرات الكتب هو مثقف، المثقف الحقيقي في نظره هو "من أراد التغيير"، وكانت له قضية يدافع عنها، وكان "قريباً من الناس، وهو منهم، ويتحسس مشاكلهم، ويكتب عنهم وبلغتهم".

هذا التعريف المنطقي يهدف إلى سحب الشرعية عن "أدباء النخبة" الذين يتم أسطرتهم؛ فإذا كانت كتب البرغوثي لا تحقق مركزيتها في وعي القارئ العادي، ولا تشكل رافعة للقضية الوطنية، فإن صبغ صفة "المثقف الكبير" عليه هي عملية "مدح للخواء". الكاتب يرى أن الوفاء الحقيقي للأصدقاء الراحلين يكون بإنصاف القراء أيضاً، لا بأن تكون الكتابة عنهم عاملاً من عوامل "التغريب".

إن هذا الموقف يتقاطع مع رؤية حج محمد في كتابه "المثقف في صورة نبي"، حيث يطالب المثقفين بأن يكونوا أدوات للتغيير الحقيقي (على خطى غسان كنفاني وأنطون سعادة وإدوارد سعيد) وليس مجرد كتاب يكتبون "تهويمات في فضاء". المحاججة هنا تقوم على "وظيفة المثقف" في المجتمع، وليس على "جماليته المنعزلة".

يكشف المقال عن وجه آخر لما يمكن تسميته "مرض العقلية العربية"، وهو "النفاق الاجتماعي الثقافي". فالكاتب يتساءل بمرارة: "لماذا يتجاهلون الأحياء الأدباء الفاعلين ويغرقون في تربة الراحلين؟" الإجابة تكمن في أن العقلية العربية المعاصرة تخشى "المساءلة" وتخشى "النقد المتبادل" بين الأحياء، فتستعيض عن ذلك بمديح الموتى كفعل "بطولي زائف".

هذا النمط يعمق "الأزمة الشخصية" للكاتب العربي، حيث يتحول النقد من عملية "فرز وتفكيك" للأعمال الأدبية إلى "سيمفونيات مديح" تفتقر لأي حس نقدي أو منطقي، إن "تغريب اللغة" والتعمل والتكلف اللغوي الفظ الذي انتقده الكاتب عند سليم بركات وغيره هو عرض من أعراض هذا المرض؛ حيث يصبح "اللا مفهوم" معياراً للجودة، و"التكرار الأسلوبي المرهق" دليلاً على العمق.

من الأمور اللافتة في المقال هو استناد الكاتب إلى "الحدس" كأداة للمحاججة. يقول: "المشكلة لا شيء ينفي هذا فلا دليل عليه إلا الحدس، وبالتالي فلا شيء يؤكده أيضاً". هذا الموقف النقدي يمثل محاولة للانعتاق من صرامة "النقد الأكاديمي" الذي قد يغفل الدوافع النفسية والاجتماعية خلف الكتابة.

حج محمد يثق بحدسه في كشف "التواطؤ" بين الأصدقاء لترويج الراحل بغريب المصطلحات. هذا المبرر المنطقي يقوم على فكرة أن "اللغة تفضح صاحبها"؛ فاللغة الإنشائية العالية التي تؤسطر الراحل هي بذاتها دليل على "عدم الصدق" الفني و"المجانية" في الكتابة. إنه نقد يعتمد على "المعاينة" و"الذوق المسبب" أكثر من اعتماده على "الخرائط الهندسية" للنقد المنهجي الجاف.

يرى الكاتب أن هذه الطريقة من التلقي "تلقي بظلالها على الحالة الثقافية للمشهد الفلسطيني المتشظي". الأسطرة تؤدي إلى عدة نتائج سلبية يحذر منها المقال منطقياً:

1. عزل الجيل الجديد: يتساءل الكاتب هل بقيت كتب البرغوثي متداولة بين الجيل الجديد؟ ويرى أن الإغراق في الغموض ينفر الشباب ويجعل الأدب "مَتْحَفياً" لا حيوياً.

2. غياب المؤسساتية: ينتقد الكاتب عدم اهتمام وزارة الثقافة أو اتحاد الكتاب بإعادة طباعة الأعمال المهمة، بدلاً من تركها للمديح الشفهي أو المقالات المجانية.

3. إهدار طاقة التغيير: بدلاً من أن يكون الأدب رافعة للقضية، يتحول إلى "مشاريع ذاتية" تدور في فلك المنافع المحدودة، مما يضعف "ثقافة المقاومة" المطلوبة.

4. تزييف الوعي: إعادة تسويق "الخواء" (حسب وصف الكاتب) يمنع ظهور رؤى نقدية حقيقية قادرة على نقد الواقع وتغييره.

أفرد حج محمد جزءاً مهماً من محاججته لنقد الطريقة التي يتم بها "توسيط" أعمال البرغوثي للقارئ، خاصة عبر عبد الرحيم الشيخ. المبرر المنطقي هنا هو أن "الوسيط" يضيف طبقة جديدة من الإبهام والأسطرة، وانتقد الكاتب سقوط حرف الجر في تعبير "قدّمه" (بدلاً من قدّم له) ووصفها بأنها محاولة لـ "كسر العادة والمألوف اللغوي" بلا طائل.

هذا النقد يتجاوز الشكل ليصل إلى المضمون؛ فالمترجم/ المحول هنا لا ينقل نصاً بل "يصنع أسطورة"، مستخدماً لغة مغرقة في "اللاعادية".  المنطق العقلي عند حج محمد يرفض أن يكون "الغموض" هو الهوية الوحيدة للأدب الفلسطيني الحديث، ويرى في ذلك "تغريباً" متعمداً يخدم مصالح النخبة لا وعي الناس.

لفهم لماذا يصف الكاتب (ضمنياً) هذا السلوك بالخلل، يجب العودة للأصول السوسيولوجية لتقديس الموتى في المنطقة. تشير الدراسات إلى أن الوعي بظاهرة الموت ارتبط دائماً بـ "عقدة النبذ" و"الإحباط النفسي". والمجتمعات العربية المعاصرة، نتيجة للهزائم المتلاحقة، فقدت الثقة في "الحي الفاعل" فالتجأت لـ "الميت المقدس" كتعويض لا شعوري.

هذا الموقف النفسي هو ما يرصده حج محمد؛ فالأدباء يغرقون في "تربة الراحلين" لأنهم عاجزون عن مواجهة تحديات الحاضر، المحاججة المنطقية هنا تقول: إن العقلية التي تقدس الماضي (والراحلين) هي عقلية "خائفة من المستقبل"، وغير قادرة على إنتاج فكر جديد يتجاوز "اليقينيات الجاهزة".

بناءً على التحليل السابق لمقال فراس حج محمد، يمكن تقييم طروحاته وفقاً للنقاط التالية:

1. كفاءة المحاججة: استطاع الكاتب أن يقدم حججاً منطقية متماسكة تنقض "أخلاقية" و"معرفية" التلقي المبالغ فيه. حججه حول "مجانية المديح" و"أمان الراحلين" هي حجج كاشفة للمسكوت عنه في المشهد الثقافي.

2. تشخيص العقلية: كشف المقال عن نمط "الأسطرة" و"التقديس" كعقبة أمام التطور الثقافي. ورغم قسوة الأحكام، إلا أنها تنبع من رؤية وظيفية للأدب تربطه بالواقع وبالناس.

3. نقد اللغة: قدم الكاتب مراجعة لغوية هامة لمفهوم "الغموض"، معتبراً إياه "شذوذاً" يعيق وصول الرسالة الثقافية، خاصة في سياق نضالي يتطلب الوضوح.

4. تعريف المثقف: نجح المقال في إعادة طرح سؤال الهوية الثقافية؛ فالمثقف هو "المشتبك" والمغير للواقع، وليس "المنعزل" في أبراج الإبهام العاجية.

النتيجة المنطقية: 

يعد مقال فراس حج محمد صرخة ضد "الصنمية الثقافية" ودعوة لإعادة الراحلين إلى بشريتهم وإخضاع أعمالهم للنقد الواقعي والموضوعي. إن نقض "أسطرة" البرغوثي ليس تقليلاً من شأنه، بل هو "إنصاف للقارئ" ومحاولة لكسر "دائرة مدح الخواء" التي تمنع ظهور وعي ثقافي فلسطيني وعربي قادر على مواجهة تحديات العصر بوضوح وقوة، وتجسد هذه اللوحة الختامية جوهر المحاججة التي ساقها صاحب المقال، وتستشرف مستقبل التلقي النقدي في العقلية العربية.

إن المبررات العقلية التي ساقها فراس حج محمد تفتح الباب أمام ضرورة "إصلاح العقل الثقافي" العربي، هذا الإصلاح يبدأ من الفصل بين "المقدس" والدنيوي، وبين "التبجيل العاطفي" وبين "التقييم الفني". إن استمرار نمط "أسطرة الراحلين" سيؤدي حتماً إلى "موت الحاضر"، حيث يصبح المشهد الثقافي مجرد مقبرة كبيرة للرموز التي لا يقرأها أحد ولكن يقدسها الجميع.

المحاججة المنطقية والواقعية التي انتهى إليها المقال تؤكد أن "المثقف" الحقيقي هو من يكتب للأحياء، بلغة الأحياء، من أجل تغيير حياتهم نحو الأفضل، أما إعادة إنتاج "الغموض" و"مدح الخواء" فهي ليست سوى تعميق للأزمة الحضارية التي تعيشها العقلية العربية المعاصرة. إن المطلوب هو نقد يجرؤ على "المعاينة" و"الاشتباك"، نقد لا يقدس إلا الحقيقة ولا يحابي أحداً لمجرد أنه غادرنا بجسده، فالموتى -كما يقول خليل النعيمي- يستحقون النقد أكثر من الأحياء لأنهم أخطر على الوجود منهم عندما يحيّد غيابهم حاسة النقد عندنا.