مجلة "منوعات" تابعة لمؤسسة الغربة الاعلامية في سيدني أستراليا. تنقل اليكم آخر الأخبار المنوعة التي تهمكم من العالم أجمع، نحن ننقل الخبر ولكننا غير مسؤولين عنه. تابعونا

سميح مسعود في مركز درويش الناصراوي



كتب آمال عوّاد رضوان
أقامَ مركز محمود درويش الثقافيّ النصراويّ، وبلديّة الناصرة ودائرةُ الثقافةِ والرياضةِ والشباب أمسيةً أدبيّةً لدكتور سميح مسعود لإشهار الجزء الثاني من كتابه "حيفا... برقة"، وسطَ حضورٍ كبير في قاعة محمود درويش/ الناصرة بتاريخ 22-1-2016، وقد رحّبَ الأديبُ مِفلح طبعوني بالحضور، ثمّ أدارَ الأمسيةَ بروفيسور محمود يزبك، وكانت مُداخلاتٌ حولَ الكتاب لكلٍّ مِن: د. جوني منصور، د. سهيل أسعد، مفلح طبعوني، رائد نصر الله وأحمد درويش، وفي نهاية اللقاء شكر المحتفى به د. سميح مسعود الحضور والمنظمين والمتحدثين، وتمّ توقيع الكتاب، ووُزّعَ على الحاضرين، وتمّ التقاطُ الصّورِ التذكاريّة.
مداخلة محمود يزبك/ قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة حيفا: د. سميح مسعود شاعرٌ وكاتبٌ وباحثٌ أكاديميٌّ، هُجّرتْ عائلتُهُ مِن حيفا، وعاشَ في برقة التي تنحدرُ منها عائلتُهُ. درسَ في سراييفو وبلغراد، وحصلَ على الدكتوراه في الاقتصاد. عملَ مستشارًا اقتصاديًّا في مؤسّساتٍ إقليميّةٍ عربيّةٍ، ويعملُ حاليًّا مديرًا للمركز الكنديّ لدراساتِ الشرق الأوسط. صدرتْ له مجموعة من الأبحاثِ الاقتصاديّةِ، والعديدُ مِن الدّراساتِ الأدبيّةِ والتراثيّة، وكتابُ "حيفا.. برقة" هو كتابُ بحثٍ عن الجذور وذاكرةِ المكان، يأتي بعدَ مرورِ حوالي سبعة عقودٍ على التهجير القسْريِّ المُبَرْمَج، الذي قامتْ بهِ القوّات الصهيونيّة. وعلى الرّغم مِن قسوةِ التهجيرِ واللّجوءِ والمُخطّطِ الذي سعى أصحابُه لتطهيرِ فلسطينَ عِرقيّا مِن سكّانها الأصلانيّين، أرادَ د. سميح أن يكونَ الاحتفالُ بذاكرةِ المكانِ في الناصرةِ بالذات، وفي قاعة مركز محمود درويش، لِما فيها مِن دلالاتٍ نستبشرُ بها المستقبلَ، ولا نبكي فقط على ما أضعناهُ وخسرناهُ أثناءَ نكبتِنا، فمدينةُ البشارةِ مدينةُ التلاحمِ الفلسطينيّ تُمثّلُ مَعلمًا حضاريًّا، يلتقي بهِ صليبُ الشّرقِ معَ هلالِهِ في شموخٍ وإباءٍ، ناظرًا لماضٍ عريقٍ ليَستشفَّ منهُ أملًا لِمستقبلٍ قريب.
وعلى الرّغم مِن سياساتِ التّدميرِ التي انتهَجتْها المُؤسّسةُ الإسرائيليّةُ، لتدميرِ ومحوِ مَعالمِ الحضارةِ العربيّةِ لفلسطين خلالَ خمسيناتِ القرن العشرين وعَبرَنةِ المكانِ والتاريخ، لتختلقَ أساطيرَ هزيلة، تُؤكّدُ الأجيالُ العربيّة الشابّة على هُويّتِها الفلسطسنيّةِ المُتجذرةِ في عُمقِ التاريخ، وباطنِ الأرضِ وظهرِها، وتقولُ لكلّ المُعتَدينَ على حقوقِنا: نحن هنا باقونَ ما دامَ في الوادي حجارة. البحثُ عن الجذورِ وذاكرةِ المكانِ تحكي قصّة عائلةِ سميح، والّذي هُجّرَ مِن بيتِهِ في حيفا في شارع الناصرة حين كانَ طفلًا، وانتقلَ معَ والدِهِ وباقي أفرادِ أسرتِهِ لمنبتِهم في قريةِ بُرقة، وخلالَ سعي سميح في رحلةِ البحثِ عن جذورِهِ الّتي امتدّتْ على صفحاتِ الكتاب، الجزءِ الأوّلِ والجزءِ الثاني الذي نحنُ بصددِهِ، رسَمَ لنا حدودَ المكانِ المُكوّنِ مِن خيوطٍ مُتشابكةٍ ومُتداخلةٍ بعضُها ببعض، والتي تُشكّلُ شكلًا مِن أشكالِ هُويّتِنا الفلسطينيّةِ المُتشابكةِ المُتداخلةِ، والمُترابطةِ معَ المكانِ بروابطَ سرمديّةٍ، لا يُمكنُ لأيٍّ مِن قوى الشّرِّ أنْ تمحوها، أو حتى تخدشَ تَلاحُمَها وترابُطها، وأبناءُ بُرقة المنتشرون في الجليل والمثلث وجبال النار، يُمثلونَ صورةً مُصغرّةً لباقي الأماكن الفلسطينيّةِ التي تتشابكُ بخيوطٍ مشابهةٍ، لتلكَ التي اكتشفها وأزاحَ اللثامَ عنها سميح مسعود، وهذا التّشابكُ لهو الدّليلُ الأقوى ليقولَ لكلّ الجَهَلةِ والذينَ يدّعونَ المعرفة: نحن أبناءُ هذهِ الأرض، نتمدّدُ بكلّ أرجائِها تمضّنا وتحضّنا لأننا أبناءَها، لم نتطفلْ عليها ولم نعتدِ على حُرمتِها. بيننا وبينَ أرضِنا عقدٌ طبيعيٌّ، سَنّتهُ طبيعتنا المُشتركة، ونحن مَن يعرفُ حقَّ المعرفةِ أنّ "على هذه الأرض ما يَستحقّ الحياة". هذا الكتابُ يُشكّلُ في واقع الأمر نموذجًا يُحتذى به، ودعوةً للكثيرين "للبحث عن جذورهِم"، كي تبقى ذاكرةُ المكانِ عَطِرةً بتللكَ الجذور.
مداخلة د. سهيل أسعد نائب رئيس بلدية حيفا: أعبّرُ عن مشاعرِ شكري وامتناني لأخي د. سميح مسعود، لأنّهُ نجحَ مِن خلالِ كتبِهِ وزيارتنا المشتركةِ لبُرقة، أن يدعمَ وتُقوّي الشّعورَ بالانتماءِ لحيفا ولبرقة في آن، ومشاركتي في الناصرةِ هي عبارة عن إغلاق دائرة، فبُرقة مسقط رأس والدي، والناصرة مسقط رأسي، وفي حيفا ترعرعتُ وكبرتُ، فانتقالُ والدي بجيلٍ مُبكّرٍ للتعلّمِ في مدرسةِ شنللّر للأيتام في القدس، كانَ السّببَ لعدم استمرارِ العيشِ في بُرقة، ولكن زلتُ أحافظُ على علاقةٍ وثيقةٍ مع عددٍ مِن أهالي برقة، وأقوم] بزيارتِهم عدّة مرّاتٍ خلالَ السنة، ولا تزالٌ مساحاتٌ مِن أراضي عائلتي هناك أقومُ بالإشراف عليها، خاصّةً في موسمِ الزيّتون. د. سميح مسعود نجحَ مِن خلال جزئيْ كتابهِ "حيفا.. برقة" في البحث عن الجذور، وفي إعادةِ علاقةِ أبناء برقةِ العائشين والمقيمين خارجها، وأعبّرُ عن تقديري الذي تُكنّهُ لنا ولأهلنا ولبقائِنا وصمودنا في الوطن، فبالرّغم مِن عدم وجودِ روابط عائليّة، فنحن نحافظ على صِلاتٍ اجتماعيّةٍ، ونحافظ على زيتونِنا بمساعدةٍ مِن أهل بُرقة ولن نفرط به، فبرقة مُتعدّدةُ الأديان، لكنّها تُشكّلُ عائلةً واحدةً، والعلاقةُ بينَ سكّان برقة مِن مسلمين ومسيحيّين كانت نموذجًا ومثالًا للوطنيّةِ والتمسُّكِ بالثوابت، وهذا النموذجُ يجبُ تعميمُهُ، وفرحُنا كبيرٌ بأنّ سميح قامَ بهذه المُهمّة، ناقلًا إلى العالم من خلال كتابهِ فكرةَ العلاقة بين برقة وخارجها من قرى ومدن وعائلات. الرّوايةُ البرقاويّةُ الحيفاويّةُ ليست فريدةً، فكلُّ فلسطينيٍّ يمكنُ أن يَتماثل معَها، لكنّ الفريدَ والشيّقَ هو تدوينُ سميح مسعود لهذه الرواية، وأهمّيّتِها الكبرى لذاكرة المكان في كتبِهِ، وهذا الإصدارُ الذي جاءَ في أجواءٍ ظلاميّةٍ أصوليّةٍ، لهو توكيدٌ على الرّسالةِ أنّ الدين لله والوطن للجميع!
مداخلة د. جوني منصور: حيفا.. برقة/ ذاكرةُ المكانِ وعوْدةٌ إلى الجذورِ الّتي لا تُنسى: لماذا المكانُ ولماذا الذاكرة؟ وبالتالي: لماذا ذاكرةُ المَكانِ؟ هو سؤالٌ فلسفيٌّ وفكريٌّ بقدْرِ ما يُمكنُ أن يكونَ سؤالًا رومانسيًّا: هل للمكانِ ذاكرةٌ؟ وإنْ كانتْ لهُ ذاكرةٌ، مَن يقفُ وراءَها ومَن يُفَعِّلُها؟ أسئلةٌ كثيرةٌ تُراودُ كلَّ مَنْ يَدرسُ موضوعَ المكانِ وما يرتبطُ بهِ مِن الوقائعِ والأحداثِ، وعلاقاتِ البشرِ معَ المكانِ وغيرِ ذلك. سأخوضُ في هذا الموضوع مِن جوانبِهِ الفلسفيّةِ والتاريخيّةِ مُرورًا بالإنسانيّة، وهو الجانبُ الأهمُّ بنظري في هذه الحُلّةِ. ما الذي يجعلُنا نتذكّرُ مكانًا دونَ سواه؟ ما الذي يَجعلُنا نتوقُ لمكانٍ دونَ آخر! هناكَ أمكنةٌ، حينَ نعودُ إليها، تعودُ بنا الذاكرةُ إلى الوراءِ، فنتنسّمُ عبقَ الماضي، وتتوالى مشاهدُ عِشناها أو نتخيّلُها اعتمادًا على حديثٍ سمعناهُ، أو قصّةٍ أو روايةٍ ذاتِ صِلةٍ بالمكان. لكن، أيُّهما يُشكّلُ ذاكرتَنا ويُعيدُ صياغةَ دواخلِنا أكثرَ: الزّمانُ أم المَكانُ؟ أم معًا يُشكّلانِ تلكَ اللّحظاتِ الّتي لا تُنسَى مِنَ التّجلّي، والتي تُعيدُنا إلى الوراءِ فنتذكّرُ كلَّ شيء؟ لكن هناكَ أمكنةٌ لا نشعرُ بها، ونمرُّ عليها مرورَ الكرام. وهناك أمكنةٌ أخرى تُشكّلُ مساحةً أضيقَ مِن حيّزِ الذّكريات. شخصيًّا، أرى أنّ هناكَ ارتباطًا وثيقًا بينَ الذّاكرةِ الإنسانيّةِ الفرديّةِ والجَمعيّةِ على السّواء، وبينَ ذاكرةِ الأمكنةِ. بناءً عليهِ، فإنّ استخدامَ مُصطلحِ (ذاكرة المكان) ليسَ مِن بابِ التسلية، وبما أنّنا نقولُ: هذا "البيتُ الّذي شَهِدَ مولدُ فلان" أو "هذا مَسقطُ رأسِهِ" أو "الدّار والشارع الذي حدثَ فيهِ كذا" مثلًا، فهذا دليلٌ على التفكير. إذًا؛ المكانُ يُقَدّمُ شهادةً للذاكرةِ، بتأكيدِهِ حضورَ الإنسانِ فيهِ وإنْ كانَ غائبًا عنهُ بمحضِ إرادتِهِ أو قسْريًّا، فالمكانُ سِجلٌّ تاريخيٌّ قويٌّ وعميقٌ لنِتاجِ الحضورِ الحاليِّ فيهِ، وليسَ بالضّرورةِ مادّيًّا. لهذا، ليستْ فكرةُ ذاكرةِ المكانِ رحلةً رومانسيّةً معَ الزّمنِ في المكان، إنّها حقيقةٌ واقعيّةٌ، يُعبّرُ عنها الكاتبُ شِعرًا، قصّةً، روايةً أو بحثًا، وليسَ أَدَلُّ على أهميّةِ (الشهادة) الّتي يُقدّمُها المكانُ على أحداثٍ مُعيّنةٍ، مِن واقعةٍ أو حادثةٍ أشارتْ إليها صحيفةٌ ما أو وثيقةٌ ما أو رسالةٌ ما.
إذًا؛ معنى "المكان" هو الحيّزُ المادّيُّ (أو المعنويُّ الافتراضيُّ) الذي تتكوّنُ الوقائعُ والأحداثُ والأفعالُ ضِمنَهُ، ويَستحيلُ بالتالي تَصَوُّرُ وجودِها بدونِهِ، وسيصعبُ تَذكُّرُها أو إثباتُها أحيانًا، مع زوالِ الأمكنةِ التي احتضنَتْها، فالمكانُ والحالُ هذهِ ليسَ حيّزًا مادّيّا وذاكرةً وحسْب، بل هو عنصرٌ أساسيٌّ مِن عناصرِ الحدَثِ وتفاصيلِهِ، ولا يَنبغي إغفالُهُ، فالمكانُ بما يَحويهِ مِن دلالاتٍ ويَشي بهِ مِن وجدانيّاتٍ، أضحى هو الآخرُ صعبًا على الفهمِ والإدراك. لا أقصدُ المكانَ الذي يَعني لكَ شيئًا؛ مثلَ المكانِ الذي وُلِدْتَ فيهِ ومارسْتَ فيهِ ألعابَكَ معَ أصدقائِكَ وشكّلَ ذاكرتَكَ الأولى؛ وإنما مكانًا قد تغيّرَ وتبدّلَ، أحدُهما يَقفُ عليهِ مذهولًا مأخوذًا بأشكالِهِ وواقعِهِ، وما أفاضَ بهِ عليهِ مِن مَشاعرَ، وآخرُ لا يَعني له المكانُ شيئًا، فينظرُ كالغريب والمُستغرِبِ إلى مَكنوناتِ الأشياءِ الّتي غيّرَتْ مِن نظرتِهما لذاتِ المكان، لكنّ المكانَ نفسَهُ تتغيّرُ دلالاتُهُ وإيحاءاتُه تبعًا للظروفِ ولنفسيّةِ الواقفِ عليهِ، بل قد تتغيّرُ تأثيراتُ المكانِ ذاتِهِ على إنسانٍ بعيْنِهِ، والأماكنُ هي الأخرى مثلها مثلُ البشرِ لها طبائعُ وأوضاعٌ مختلفة؛ فهناكَ مكانٌ حزينٌ يُؤثّرُ على تفكيرِكَ ويَتركُكَ مُتألّمًا، وهناكَ مكانٌ يُضفي الفرحَ والسّرورَ ويَتركُكَ سعيدًا، وإنْ كنتَ قد فقدْتَهُ فعليًّا، بفِعل حربٍ ونكبةٍ حلّتْ على شعبك.
مِن هذهِ النّقطةِ أتطرّقُ إلى كتاب "حيفا ... برقة؛ البحث عن الجذور"- ذاكرة المكان لد. سميح مسعود، حيثُ أنّ العنوانَ ذاتَهُ يَشي بالفكرةِ مِن ورائِهِ، فسميح مسعود لا يبحثُ عن المكانِ بكوْنِهِ مكانًا مادّيًّا، إنّما يبحثُ عن المكانِ الافتراضيِّ والمُتخيّلِ، والذي يَحملُ في جنباتِهِ ذكرياتٍ لناسٍ يَخصّونَهُ في هذهِ الحالةِ، أقصدُ حالةَ البُعدِ عن المكانِ، وعدمِ رؤيتِهِ ومُعايشتِهِ، هذا المكان الذي فقدَهُ الفلسطينيُّ عام 1948 ولم يَعُدْ إليهِ.  "المكانُ" الذي يعودُ إليهِ سميح مسعود هو مِن خلالِ الإنسانِ الذي يَرتبطُ بالمكانِ، أو لنقلْ، لهُ علاقةٌ بالمكانِ الّذي كانَ، وهو لا يَزالُ المكان الذي بُنيتْ وتشكّلتْ وتبلوَرَتْ فيهِ حياتُهُ وحياةُ آخرين. مِن هنا نُدركُ إلى أيِّ مدًى أهمّيّةَ الإنسانِ في المكان، فمكانٌ بدونِ إنسانٍ لا يَعني شيئًا. وبناءً عليهِ، جاءتْ رحلةُ البحثِ عن الجذور الّتي شاركتُ فيها أبو فادي ولمدّةٍ طويلة. اكتشفتُ المَحبّةَ الّتي تَغمرُ أبناءَ العائلةِ الواحدةِ، وإن تشتّتَتْ أوصالُهم بفِعلِ عوامل سياسيّةٍ واجتماعيّةٍ وسِواها. لكن، وبالرّغمِ مِن أنّ صِلةَ الرّحمِ والقرابةِ عنصرٌ ومُكوّنٌ هامٌّ في مَشهدِ الحياةِ اليوميّ في أوطانِنا، إلّا أنّ الهَمَّ الكبيرَ الّذي استولى على فِكرِ ونهجِ سميح مسعود، وأنا بطبيعةِ الحالِ أُشارِكُهُ الرأيَ والتّوجُّهَ، أنّ البحثَ عن الجذور هو مسألةٌ زمنيّةٌ ومكانيّةٌ، ترتبطُ بعلاقةِ الإنسانِ معَ أرضِهِ وشعبِهِ وتاريخِهِ وماضيهِ وعاداتِهِ وتقاليدِهِ.
لقد أتيحَ لنا أنْ نقومَ وبفترةٍ زمنيّةٍ محدودةٍ نسبيًّا، بلقاءِ عشراتٍ إنْ لم يَكنْ مئاتِ الأشخاصِ القريبينَ دمويًّا، أو القريبينَ فِكريًّا واجتماعيًّا وإنسانيًّا. لقد طوّرْنا معًا خبرةَ حياةٍ متميّزةٍ، أساسُها فهْمُ شبكةِ العلاقاتِ الاجتماعيّةِ الّتي ميّزتِ الفلسطينيّينَ في حيفا والفلسطينيّينَ في قرى الوطن، وفي حالتِنا هذهِ "برقة"، تلكَ القرية القريبة مِن نابلس، والتي أوْفدَتْ مئاتٍ مِن أبنائِها إلى حيفا، للعملِ فيها في فترة الانتدابِ البريطانيّ، لكنّهم جميعًا ودونَ استثناءٍ، لم ينْسَوْا قريَتَهم الأُمّ، منهم مَن عادَ إليها في أعقابِ النكبةِ، ومنهم مَن تركَ الوطنَ مُتّجهًا إلى بلادِ اللهِ الواسعةِ، أسوةً بباقي أبناءِ فلسطين المَجروحينَ المَكلومينَ بحثًا عن لقمةِ العيش.
ما ميّزَ لقاءاتِنا بأقاربِ سميح ومَعارفِهِ وغيرِهم مِنَ الّذينَ اكتشفناهُم معًا، أنّهم يَنتسبونَ إلى قريةٍ واحدةٍ، وينحدرونَ مِن عائلاتٍ مُتعدّدةٍ تجمَعُهم المَحبّةُ، وإن انتموا إلى أديانٍ ومُعتقداتٍ مَذهبيّةٍ مُختلفةٍ، فالدّينُ للهِ والوطنُ للجميع. وكذلك تميّزَتْ أمسيةُ إطلاقِ كتابهِ في جزئِهِ الأوّلِ في قاعةِ الكليّةِ الأرثوذكسيّةِ بحيفا، حيث التقى بمجموعةٍ مِن أهالي برقة المُقيمينَ في حيفا. كذلك كان لقاؤُهُ مميّزًا معَ ابنِ صفّهِ راشد الماضي، بعد 65 سنة مِنَ الافتراق، بسببِ النّكبةِ وترحيلِ الفلسطينيّين. ثمّ تلا ذلكَ لقاءُ د. سميح مسعود مُجدّدًا معَ أهالي مدينتِهِ حيفا، في أمسيةِ إطلاقِ كتابَيْهِ "متحفُ الذّاكرةِ الحيفاويّةِ" و "مَقاماتٌ تُراثيّةٌ" في نادي حيفا الثقافيّ، في قاعتِهِ المُلاصِقةِ لكنيسةِ مار يوحنّا المعمدان في حيفا. كلُّ هذا يُؤكّدُ ما نحنُ ماضونَ مِن أجلِهِ، مِن أجلِ تثبيتِ ذاكرة المكانِ بناسِهِ وذكرياتِهِ، وما خلّفَهُ مِن آثارٍ عالقةٍ في مُجملِ مُجرياتِ الحياة.
يُطِلُّ الكاتبُ الفلسطينيُّ د. سميح مسعود بالجزءِ الثاني مِن كتابِهِ "حيفا.. برقة- البحث عن الجذور"، والصّادرُ بطبعتيْنِ؛ الأولى عن دار الجنديّ في القدس، والثانية عن دار الآن في عمّان، ولكنّ هذه الإطلالةَ تختلفُ عن سابقتِها في الجزءِ الأوّلِ. لقد اكتشفَ سميح مسعود بعدَ نشْرِ الجزءِ الأوّلِ، أنّ جذورَهُ في فلسطين أكبرُ مِن مُجرّدِ مَحدوديّتِها بمدينةِ حيفا، أو بقريةِ الأهلِ والأجدادِ "بُرقة" القريبةِ مِن مدينةِ نابلس. اكتشفَ امتدادَهُ في مَواقعَ عدّةٍ في فلسطين، وقد يكونُ في خارجها، وهذا الامتدادُ ليسَ وليدَ السّاعةِ أو وليدَ النكبةِ عام 1948، الحدثِ المُؤسِّسِ لتاريخِ الشّعبِ الفلسطينيِّ ونِضالِهِ، مِن أجل حقِّهِ في الحياةِ في أرضِهِ ووطنِهِ. تبيّنَ لمسعود أنّ الجذورَ العائليّةَ تتعدّى كوْنَها محصورةً في حيّزٍ واحدٍ أو أكثر، إنّها حيّزاتٌ إنسانيّةٌ عملت العقودُ والقرونُ على بلوَرتِها، وصِياغتِها بقوالبَ إنسانيّةٍ واجتماعيّةٍ واقتصاديّةٍ وثقافيّةٍ وسياسيّةٍ ودينيّةٍ، فالانتشارُ الفلسطينيُّ في الحيّزِ الفلسطينيِّ حتّى عام1948 كان أمرًا طبيعيًّا، وتقبّلتْهُ شرائحُ النّاسِ بطيبةِ خاطرٍ، وتعاملتْ معهُ كأنّهُ أحدُ مُكوّناتِ بناءِ المُجتمعِ الفلسطينيّ، ومِن جهةٍ أخرى، فإنّ الأحداثَ التي وقعتْ رغمًا عن الشعب الفلسطينيِّ عام1948 أحدثتْ فجواتٍ كبيرةً وتباعُداتٍ خطيرةً، بينَ أبناءِ الشّعبِ الواحدِ وبينَ أبناءِ العائلةِ الواحدةِ الّتي شقّتْها الخلافاتُ والنّزاعاتُ السّياسيّةُ، الّتي مرّتْ على المنطقةِ منذُ ذاكَ التاريخِ الشّؤم.
يتعاملُ مسعود معَ انتشارِ عائلتِهِ في الجليلِ والمُثلّثِ والضّفّةِ الغربيّةِ وغيرِها مِنَ المَناطقِ والمَواقعِ خارج حدودِ فلسطين التاريخيّةِ، بواقعيّةِ الحدَثِ التّاريخيِّ، ويَنظرُ إلى هذا الحدَثِ بكوْنِهِ مسألةً عابرةً زمنيًّا، لكنّها ليستْ عابرةً وجدانيًّا، فهو الرّجُلُ الّذي عرَكتْهُ الحياةُ، يَعرفُ تمامَ المعرفةِ، أنّ نظرةَ الإنسانِ إلى جذورِهِ ليستْ مسألةَ تَفَكُّهٍ، إنّما واقعٍ داخليٍّ يَعملُ على تحريكِ فؤادِ وعقلِ الإنسانِ لمعرفةِ مَن هو، ومِن أينَ أتى، ومَن هُم أعضاءُ عائلتِهِ وبيئتِهِ، وكيفَ تعَامَلَ الزّمنُ معَهم؟ صحيحٌ أنّها تساؤلاتٌ كثيرةٌ قد تبدو في بعضِ الأحيانِ مُجرّدَ كليشيهات، إلّا أنّها الواقعُ الّذي يَفرضُهُ التّاريخُ الفلسطينيُّ الماثلُ لمَعاييرِ التّغييراتِ والتّقلّباتِ.
سُعدْتُ بمُرافقةِ سميح مسعود فترةً طويلةً مِن الزّمنِ في اكتشافِ جذورِهِ، وكأنّي أكتشفُ جذورَ كلِّ عائلةٍ فلسطينيّةٍ مثنتشرةٍ في الوطن، وما بَهرَني في عمليّةِ الاكتشافِ هذه، أنّ الّذينَ التقيْنا بهم معًا، أو الّذينَ التقى بهم بمُفردِهِ يَعرفونَ أصولَهم. هذا هو شعبُنا الّذي يَعرفُ جذورَهُ جيّدًا، بالرّغمِ مِن مُرورِ عقودٍ كثيرةٍ، وبالرّغمِ مِن سياساتِ التّجهيلِ ومُحاولاتِ الطّمسِ والمَحو، وهذا الأمرُ يُؤكّدُ تَمسُّكَ الفلسطينيِّ بجُذورِهِ وتاريخِهِ. أنا أعرفُ تمامَ المعرفةِ أنّ هناكَ مِن النّاسِ مَن لا يَهمُّهم الأمرُ، اقصدُ البحثَ عن جذورٍ عائليّةٍ، مِن مُنطلَقِ كوْنِهم يَنظرونَ إلى الأمورِ بمَنظورٍ أكثرَ اتّساعًا. قد يكونُ هذا الأمرُ في كثيرٍ مِنَ الحالاتِ جيّدًا، إلّا أنّ البحثَ عن الجذورِ يُحتّمُ في نهايةِ الأمرِ تَجميعَ هذهِ الجذورِ في مَوقعٍ واحدٍ، لتِبيانِ قدرةِ الإنسانِ على توْحيدِ شتاتِهِ وتَجميعِهِ. إنّهُ هاجسُ كلِّ فلسطينيٍّ يبحثُ عن كلِّ ما لهُ علاقةٌ بالماضي، ليسَ البحثُ هنا مِن بابِ النّوستالجيا- أي الحنين فحسْب، بل مِن أجلِ الانتقالِ إلى فهْمِ مُركّباتِ الحياةِ الجاريةِ وكيفيّةِ التّعاطي معَها. جُلْنا وصُلْنا في عددٍ كبيرٍ مِنَ القرى والمدنِ، والتقيْنا بعددٍ كبيرٍ مِنَ الأشخاصِ مِن كبارِ السّنّ ومِن شبابٍ وفتيان، ولسانُ حالِهم يَقولُ: زَوِّدونا بالمَعلوماتِ، لأنّنا بحاجةٍ ماسّةٍ إلى إكمالِ مُركّباتِ الصّورةِ لعائلتِنا، والأمرُ يَنسحبُ على عائلاتٍ كثيرة.
إنّ الكتابَ هو أكثرُ مِن مُجرّدِ كوْنِهِ قيامَ كاتبِهِ بالبحثِ عن جذورِهِ العائليّةِ، إنّهُ كتابُ البحثِ عن الإنسانِ في أرضِهِ، وعن المكانِ المَفقودِ في حالاتٍ كثيرةٍ، والذي باتَ صورةً أو مُخيّلةً يَعملُ الفلسطينيُّ على استرجاعِها وبنائِها مِن جديدٍ، ضِمنَ المُكوّناتِ المَكانيّةِ والإنسانيّةِ. نحنُ بحاجةٍ كبيرةٍ إلى هذا النّوعِ مِن الكتاباتِ الّذي يَتعاملُ معَ الإنسانِ والمكانِ والزّمانِ، بروحٍ مُعاصِرةٍ تُؤكّدُ وجودَنا وعدالةَ قضيّتِنا وصِدقَها. التقيْنا معَ مؤلف الكتاب د. سميح مسعود بتاريخ 22-1-2016 في مركز محمود درويش في الناصرة لإشهارِ كتابِهِ، مِن خلالِ التفافٍ واسعٍ وكبيرٍ، لمُهتمّينَ بتاريخ المكانِ وتاريخِ الإنسانِ فيهِ، مِن أهالي النّاصرةِ وحيفا، ومِن سائرِ منطقتي المثلث والجليل، إكسال، عارة وعرعرة، شفاعمرو، الجدَيْدَة، عبلين، يانوح، دير حنا، أبوسنان، كفر ياسيف، كلّهم مِن أسلافِ أناسٍ رَحلوا عن دُنيانا، تتشابكُ جذورُهم على امتدادِ أرضِ حيفا وبُرقة، التَقَوْا لأوّلِ مرّةِ معًا، للِقائِهم مفعولُهُ الكبيرُ في حِفظِ الذّاكرةِ الجَمعيّةِ حيّةً للأجيالِ القادمة. هذا الكتابُ وما يَحتويهِ مِن وصفٍ للواقعٍ التاريخيّ هو شهادةٌ حيّةٌ وصادقةٌ، نابعةٌ مِن تجاربِ الحياةِ بكلِّ تركيباتِها وتعقيداتِها. آملُ أنْ يَحذوَ حذوَ الكاتبِ عددٌ آخرُ مِن أبناءِ الوطنِ المُقيمينَ فيهِ وخارجَهُ، ليَنقلوا إلينا ذلكَ الواقعَ الحياتيَّ الذي يَعيشونَهُ ما بينَ الوطنِ وخارجِهِ، وتَفاعُلَ الأمكنةِ في عقولِهم وتفكيرِهم. تهانينا الحارّة مرسلة إلى أبي فادي على هذا الإصدار، مُقدّرينَ لهُ مُساهمَتَهُ التاريخيّةَ الهامّةَ، وهنيئًا لنا جميعًا.
مداخلة رائد نصرالله/ في معركةِ الرِّواياتِ: أَن يَجري إشهارُ كتابٍ "حيفا...بُرقة- البحث عن الجذور" تحديدًا في الناصرةِ، وفي مركزِ محمود درويش على وجه الخصوصِ، في ذلك أكثرُ مِن دلالةٍ وأبلغُ مِن معنىً، ففي الأمرِ تأكيدٌ على أنَّ الامتدادَ الزّمانيَّ والبُعدَ المَكانيّ للوطن، يَتجاوزانِ حدودَ الذّاكرةِ الشخصيةِ وعمقَ الجذورِ الفرديّةِ، وهذا ما نجحَ بهِ أديبُنا د. سميح مسعود، مِن على صفحاتِ البحثِ عن جذورهِ الممتدّةِ على طولِ الوطن وعرضِهِ، عميقًا في قلب التاريخ. جاءَ الخاصُّ تجليًّا للعامّ، وبانتْ تركيبةُ العامِّ من خلالِ تفاصيل الخاصّ. ومِن معاني عَقْد الأُمسية الثقافيّة في الناصرة، أنَّ في المسألةِ جزمٌ على أنَّ هذه المدينة التي أدمنت على مديح ذاتِها بأفعالِها، كما أبدعَ في وصفِها شاعرنا محمود درويش، ليسَ لأنّها أُمُّ البدايات فحَسْب، وإنّما لأنّها عرينٌ لهُويّةِ وعنوانِ كفاحاتٍ وإبداعات، ولا تأبهُ لعثراتِ الزّمانِ العاصيات. وأمّا أنْ أنجحَ بقراءةِ كتابيْن يَشملانِ على ما يزيدُ عن ستّمائةِ صفحةٍ، وبمُتعةٍ ما بَعدَها مُتعةً، فذلك لَعَمْري إنجازٌ شخصيٌّ غيرُ عاديٍّ، في زمنِ الوقوعِ في أسْرِ الشّبكاتِ والتّواصلاتِ الافتراضيّة، وفي ذلك دليلٌ قاطعٌ أنّنا أمامَ أنتاجٍ أدبيٍّ توثيقيٍّ استثنائيٍّ في أُسلوبِهِ وتَماسُكِهِ، مِن الصّورةِ الأولى حتّى الأخيرة، وبتصاعديّةٍ جذّابةٍ حتّى الإدمان، وفوقَ كلِّ هذا وذاك، فأن تكونَ القراءةُ بِدءًا مِن الجزءِ الثاني ومِن ثمّ الجزء الأوّل، فإنّه سَبقٌ أُسجّلُهُ لصالحي، ولكن ليسَ قبلَ أن أوجّهَ الشّكرَ للبروفيسور محمود يزبك الذي تفضّل بتوفيرِ الكتابيْنِ لي قبلَ أسبوعٍ من اليوم.
لم يَخطرْ على بالي أنّي سأكونُ ضمنَ هذه الثّلّةِ مِن أصحاب الشأنِ الأدبيّ والثقافيّ والتأريخيّ، وفي مقدّمتِهم البلديّاتي الأَصيلُ صدْرُ هذه الأمسيةِ د. سميح المسعود، هكذا كنتُ أسمعُ اسمَ عائلتِهِ الكريمة؛ (دار المسعود مع ألـ التعريف)، عندما كنتُ طفلًا أزورُ قريتي بُرقة، قادمًا مِن مَسقطِ رأسي الناصرة، على غِرارِ تعريفِ كاتبِنا لجدليّةِ علاقَتِهِ بين حيفا وبُرقة. ولا بدّ أنْ أُصارحَكُم القولَ، عندما هاتفَني الأستاذ محمود اعتقدتُ للوهلةِ الأولى، وكنتُ علمتُ مُسبقًا بموضوع المُبادرة لإقامةِ هذه الأُمسيةِ مِن صديقي الأُستاذ زياد أبو السعود الظاهر، أَنّه بصَددِ دعوتي ومعارفي لحضورِ الأُمسية، وإذ بهِ يُفاجِئُني بطلب المشاركةِ مِن خلال تقديمِ مداخلةٍ دونَ تحديدِ موضوعِها وحدودِها، فرَماني إلى آلة العودةِ بالزّمنِ التي أعدَّها لقُرّائِهِ صاحبُنا المَسعوديّ، ومَن يقرأ منكم الكتابيْن، يعرفُ كم أنا مُتأثّرٌ بإعدادِ كلمتي السّرديّةِ هذه بالأُسلوبِ السّرديِّ المَسعوديّ، كما تجلّى مِن على صفحاتِ البحثِ عن الجذورِ بجُزْءَيْه!
خلالَ الأيّامِ الفائتةِ أدخلَني د. سميح إلى نفقِ الزّمانِ عبْرَ آلتِهِ الإبداعيّةِ، فسافرتُ معَهُ تَراجُعيًّا إلى تلك الصّورِ المَحفوظةِ بذاكرتِهِ الوقّادةِ، مُعتمِدًا على بوصلةٍ وطنيّةٍ تقدّميّةٍ لا يَشوبُها شائبةٌ، وعلى توَجُّهٍ فِكريٍّ صريحٍ لا يَخجلُ مِن خلالِهِ، بالانحيازِ إلى النّاسِ الكادحينَ ونِقاباتِهم وأُطُرِهِم المُكافِحة، فصالَ بي البلديّاتي وجالَ كما يَشاءُ، بينَ الأحداثِ وتواريخِها والأسماءِ وشخوصِها، وجعلني كالجاحظين بالحكواتيّ، يُتابعونَ كلَّ همسةٍ تخرجُ مِن فمِهِ، ليَعرفوا مَصيرَ بطلِ الحكايةِ، مِن ذِكرياتِهِ الأولى في حيفا حتّى عودتِهِ وتِجوالِهِ في أرجاءِ الوطنِ، مِن يانوح شمالًا حتّى عرعرة جنوبًا، مُرورًا بشفاعمرو والناصرة وإكسال وغيرها، باحثًا عن شروشِ عائلتِهِ وعائلاتِ أبناءِ بلدِهِ، كانَ ذلكَ مِن مدينتِهِ حيفا، أم مِن مَسقطِ رأسِهِ بُرقة، وفي لحظاتٍ كنتُ أتخيّلُ دقّةَ الصّورِ الموصوفةِ كتابيًّا، وكأنّي أحملُ بيديّ كاميرا "الجوجل إيرث"، تنقلُ لي أدقَّ التّفاصيلِ والأسماءِ والزوايا المَخفيّةِ، والثنايا المُنحنيةِ في الشوارعِ والبيوتِ المَحميّةِ.
ومع تَعمُّقي في بطنِ الذّكرياتِ المسعوديّة، وَجَدْتَني أمدُّ خيوطَ ذاكرتي القليلةِ كشعراتِ رأسي، لعلّها تتقاطعُ معَ جدائلِ ذاكرتِهِ الكثيفةِ الوارفةِ، فإذا بي أتذكّرُ زياراتي إلى بُرقة مع أهلي، ليس مِن خلالِ سَفرِ ساعةٍ مِن الزمن، كما كانَ يفعلُ كاتبُنا طفلًا لوحدِهِ بينَ حيفا وبُرقة، وإنّما سفرة تمتدُّ لأكثرَ مِن نصفِ نهارٍ، مِن النّاصرة إلى القدسِ فعذابات بوّابة مندلباوم (وهنا يحضرني كاتبنا الكبير الراحل إميل حبيبي بسداسيّته الرائعة)، فإلى نابلس فبُرقة، واستمرّ الحالُ بهذهِ الزّياراتِ إلى أن جاء "فرج الاحتلال"، فوحّدَ الشعبَ مِن جديدٍ بعدَ سقوطِ دُوَلِ شِعارِ المأساة "تجوّع يا سمك البحر"، ومِن وقتِها وعلى ما يبدو، بدأ حلُّ "شعبان دولتان" يَتآكلُ تدريجيًّا لصالح دولةِ الشّعبيْن، والله أعلى وأعلم!
وحينَ يُؤكّدُ كاتبُنا في صفحاتِ الكتاب وفي أكثرِ مِن مناسبةٍ على غيرتِهِ على الّلحمةِ الوطنيّةِ لأبناءِ بُرقة على كافّةِ انتماءاتهم، يُذكّرُني بما علقَ بذهني مِن ذكرياتٍ بُرقاويّةٍ، وممّا حدّثني بهِ والدي رحمة الله عليهِ، واسمه "جورج"، كانَ في طفولتِهِ يُعاني مِن أمراضٍ مختلفةٍ، كما عانيتَ أنتَ طفلًا د. سميح، وشفيتُ والحمدلله والله يمدُّ بعمرك، وبدايةً بدّلوا اسمَهُ لجريس حتى يشفى، فلم يَشفعْ له القدّيس جريس، فاقترحَتْ إحدى الجارات المُسلماتِ أن يُسمّى حسن، حتّى يَشفى ويقوى عودُه، وفِعلًا هذا ما تمّ، فصارَ اسمُهُ حسن المحصّل حتّى شُفيَ بالكامل، و"المُحصّل" هذهِ كنية كانتْ تلحقُ اسمَ العائلة، وهي مرتبطةٌ بوظيفةِ جدي يوسف عبدالله نصرالله مُحصّل الضرائب للدولة العليّة! أمّا المُفارقةُ مِن وراءِ استحضارِ الصورةِ الرائعةِ للمجتمع الفلسطينيِّ في الزّمنِ الجميل، مِن خلالِ العالم المُصَغّرِ (الميكرو كوسموس) المُسمّى بُرقة، فتخيّلوا أنْ أُسَمّى اليومَ مثلًا رائد حسن نصرالله، لكنتم رأيتم وسائلَ الإعلام العالميّة بما فيها قناة "المنار" تملأ القاعة، لتنقلَ ماذا سيُصرّحُ الليلةَ ابنُ حسن نصرالله! ولأنّ الشيءَ بالشيءِ يُذكرُ، فلا بدّ مِن استغلالِ المناسبةِ لتوجيهِ نداءِ استغاثةٍ، وبالذات لأنّي إنسانٌ علمانيٌّ أسمحُ لنفسي بتوجيهِ هذا النداءِ لكل مَن يَهمُّهُ الأمرُ، فلسطينيّا وإسلاميًّا ومسيحيّا، وباسْمِ الرّصيدِ الوحدويِّ المفخرةِ لشعبنا على صعيدِ خاصّيّةِ ومناعةِ وتاريخ نسيجِهِ الاجتماعيّ، بالعملِ على وقفِ النّزيفِ المُتواصلِ بخاصرةِ ولونِ وشكلِ وكيانِ الشعبِ، والمُتمثّلِ بالهجرةِ المسيحيّةِ مِنَ الوطن عمومًا، ومِن داخلِ القرى المشتركةِ بطوائفِها خصوصًا، فماذا يَنفعُنا التّغنّي بالتاريخ الرائع، إذا لم يبقَ ذِكْرٌ للوجودِ المسيحيّ الإنسانيّ في بُرقة مثلاً، عدا بعضِ الآثاراتِ المُهدّمةِ، أو اسمِ مدرسةِ الدير، وحتّى بناء مركزٍ إسلاميٍّ مسيحيٍّ جديدٍ في بُرقة على حوش آل نصرالله ، كما جاءَ في كتاب أستاذنا سميح؟ ماذا يَنفعُنا كلّ ذلك، وكلُّ أهل بُرقة من المسيحيّينَ مُغتربين، أو يزورونَها فقط في موْسمِ الزيتون، ليتذوّقوا طعمَ زيْتِها الرائع، أو ليأخذوا منها قطعةً مِن بقايا "نمليّةٍ"، ليَحفظوها في بيوتِهم في البلادِ أو في المهجر، كما فعلتُ أنا قبلَ سنتيْن عندما زرتُها مع شقيقي رمزي وابنه جورج، ونحنُ في طريقِنا إلى نابلس، لدعوةِ مَن تبقّى مِنَ الأقارب في نابلس ورام الله، لمُشاركتِنا فرحَ ابنتِهِ جنان؟ 
وفي العودةِ الى البحثِ عن الجذور، فقد نجحَ كاتبُنا في تجميع الذكرياتِ، وفتحِ بعضِ الأوجاعِ أحيانًا، في لوحة "بازل" لا أروعَ ولا أجمل. ليسَ هذا وحسْب، وإنّما أغنى معركةَ الرواياتِ الوجوديّة، بينَ رواية "أرض بلا شعب" ورواية "لمَن وهبت أرض كنعان؟" التوراتيّة، وتجييرُها خدمةً للفكرِ الصّهيونيّ الاستيطانيّ، وبينَ روايةِ شجراتِ الزيتونِ المزروعةِ في بُرقة وكل فلسطين منذ عُمقِ التاريخ، وحولَها سلالُ التينِ وصفُّ السحجةِ والدبكةِ وأغاني الدلعونا، وناسٌ جذورُها عميقةٌ وثابتة في وطنِها، لن تُلدغ مِن أفعى الترحيل مرّتيْن. بعدَ هذا الاستعراضِ الموجزِ لمَلحمةِ التشبيكِ الرائع بينَ ذكرياتِ الكاتب وذكرياتِ الوطن، وبين جذورِ عائلتِهِ وجذورِ شعبهِ شعبنا الفلسطينيّ، أقولُ مبارك لكاتبنا هذا الإنجاز والجهد والإبداع، فهذا السّلاحُ يُعطيكَ الصّحّةَ والعافية، والشعبُ يُطالبُكَ بالمزيد مِن العطاءِ أيّها البلديّاتي الجميل.
مداخلة سميح مسعود: نشرت بتاريخ 17-7-2009 مقالةً بعنوان "البحثُ عن الجذور"، بيّنت فيها اهتمامي بالبحث عن الجذورِ في فلسطين ما قبلَ النكبة، لإعادةِ اكتشاف الماضي بأبعادِهِ الزمانيّةِ والمكانيّة، وأحسستُ بما يكفي مِنَ الارتياح لأنّني نشرتُها على صفحاتِ جريدة الاتحاد، لأنّها تستثيرُ حنيني إلى تلكَ الفترةِ مِنَ الطفولةِ الهنيئةِ الّتي عشتُها معَ أهلي في حيفا، تتشبّثُ أعدادُها القديمةُ بذاكرتي التي كانَ والدي يُتابعُ قراءتَها في أربعينات القرن الماضي ويَتماهى بأفكارِها، وكثيرًا ما كنتُ أتصفّحُها بدونِ قراءةِ أيِّ حرفٍ منها في مرحلةٍ مُبكّرةٍ، عندما كنتُ صبيًّا صغيرًا، أذكرُ تمامًا تلكَ اللحظاتِ الخاطفةَ كما لو أنّها كانتْ بالأمس.          قرأتْ مقالتي حسناء دراوشة، واكتشفتْ مِن إشاراتٍ دلاليّةٍ عن أسرتي في سياقِ المقالةِ، أنّي أمُتُّ بصِلةِ قُربى معَ جدّتِها "نجية حمدان"، بلّغتني بمضمونِ وسياقِ تلكَ القرابةِ برسالةٍ عبْرَ البريدِ الإلكترونيّ، وبيّنتْ لي أنّ النكبةَ قد أبعدَتْ جدّتَها عن أهلِها في بُرقة، وبقيَتْ حتّى مماتِها في شوقٍ للقائِهم، وكانت دوْمًا تُكثِرُ مِن ذِكرِهم في أحاديثِها. مِن وحيِ هذهِ التجربةِ وتَعَرُّفي على أقاربَ لي في إكسال، أصدرتُ كتابًا بعنوان "حيفا.. بُرقة البحث عن الجذور" في عام 2013، سجّلتُ فيهِ شظايا أجزاءً موجَزةً مِن جذوري، في بلدي التي تمتدُّ على اتّساعِ المَكانِ في مَسقطِ رأسي حيفا وقريتي بُرقة، وأبرزتُ على إيقاعِها مشاهدَ مِن جذورِ أناسٍ غيري مِن مدنٍ وقرى فلسطينيّةٍ أخرى، واستحضرتُ فيها ببُؤرٍ لاقطةٍ جزءًا ممّا تختزنُهُ ذاكرتي، عن أيّامٍ مضَتْ في فلسطينَ، عشتُها قبلَ النكبةِ والهزيمة، ولأنّني شغوفٌ بنبشِ الذّاكرةِ؛ ظهرتْ أطيافُ طفولتي في كتابي بصفاءٍ استثنائيّ، سجّلتُ فيهِ لحظاتٍ كثيرةً تُدغدغُني وتُحرّكُ مشاعري، وتُشكّلُ جزءًا مِن حياتي؛ تَطوفُ بي دوْمًا في مسقطِ رأسي حيفا وقريتي بُرقة، فاستحضرتُ بها الطفولةَ بوعيِ حاضري الذي أحياهُ، وأعدتُ بها نصوصًا غائبةً تراكمتْ في داخلي، موْشومةً بخطوطٍ متماوجةٍ مِن أطيافِ بلادي، لم أُسَجّلْها للبكاءِ على الأطلال؛ بل مِن أجلِ التّأكيدِ على عُمقِ جذوري وجذور غيري مِن أبناءِ بلدي في فلسطين، ومِن أجلِ أنْ أنثرَ بذورَ جذوري لحفيديَّ ليث ونديم، حتّى لا يَضيعا في مَنافي الشّتاتِ القصيّة، لعلّني بهذا أدفعُهم للتمتّعِ بمُخيّلةٍ عامرةٍ عن بلدِهم، ومقدرةٍ فائقةٍ في التعبير عن حبِّهم لها، والنّضالِ مِن أجلِ عوْدَتِهم لها في قادمِ الأيّام.
بعدَ صدورِ كتابي، تعرّفتُ على أناسٍ كُثر منِ حيفا وبُرقه ومدنٍ وقرى أخرى كثيرةٍ، عبّروا لي عن تَعطُّشِهم لمعرفةِ المزيدِ عن مَنابتِ جذورِهم وكلّ ما يُذّكّرهُم بالوطن. تواصلتُ معهم عبْرَ الهاتفِ ووسائلِ الاتّصالِ الاجتماعيِّ والبريدِ الإلكترونيّ، وتعرّفتُ بينَهم على أقاربَ لي لم ألتقِ بهم مِن قبْل، تَجمَعُني بهم منابتُ الجذورِ وحُبُّ الوطنِ وكلُّ ما يُذكِّرُ بالوطن، وتعرّفتُ بأناسٍ على معرفةٍ بأمّي وأبي مِن زمنٍ مضى، وتيقّنتُ أنّ ما كتبتُهُ لم يكنْ مُجرّدَ كلماتٍ عابرةٍ؛ بل رسالةً استطعتُ أنْ أُبلِغَها إلى أبناءِ بلدي، وتمكّنتُ بها أنْ أصِلَ الوجوهَ بالوجوهِ على صفحاتِ كتابي، وأنْ تُلامِسَ أيْديهم الدافئةَ خبايا حروفي. بسببِهم اتّسعَ اهتمامي بالبحثِ عن الجذورِ وبالبُعدِ الرّوحيِّ والمَعنويِّ للمكان، وتمكّنتُ مِن خلالِ اللّقاءِ بهم في أماكنِ إقامتِهم، مِن إنجازِ الجزء الثاني مِن كتابي، دوّنتُ فيهِ ما لديهم مِن معلوماتٍ عن جذورِهم، تستوطنُ في ثنايا الذاكرة.
التقيتُ بمجموعةٍ منهم لأوّلِ مرّةٍ في حياتي على امتدادِ أيّامٍ طويلةٍ، زرتُهم برفقةِ المؤرّخ دكتور جوني منصور في  حيفا، بُرقة، إكسال، الناصرة، عارة، عرعرة، شفاعمرو، عبلين، يانوح، الجدَيْدَة، دير حنا، كفر ياسيف، أبو اسنان، كما التقيتُ أيضًا ببرقاويّين مِن قريتي، لم ألتقِ بهم مِن قبلُ يُقيمون في دُبَي، أبو ظبي، كندا، الولايات المتحدة الأمريكيّة، تشيكيا، والتقيت بسيّدتيْن مُعمّرتيْن تعرفان أمّي وأبي وبيتَنا في شارع الناصرة، الأولى زهرة عابدي خمرة حيفاويّة تقيم في حيفا، وهي أخت الفنان الكبير عبد عابدي ووالدة الدكتور ماجد خمرة، والثانية جميلة علي عبد القادر أبو حسين برقاويّة تقيم في عمّان، وهي والدة محمّد عبد اللطيف الخطيب أبو عمر. التقيتُ بأغلبهم في منازلهم، حدّثوني في نسيجٍ حكائيٍّ كثيفٍ يمزجُ الماضي بالراهن، ويُلامس بانثيالاتٍ متلاحقةٍ جملةً من الأحداثِ والمشاهدِ واللحظاتِ، في سياقِ مادّةٍ منسجمةٍ متناغمةٍ، فتحَ لي الحوارُ معهم حولَها آفاقًا واسعة للبحث عن الجذور لي ولهم ولغيرهم، بما يُساعدُ على تشكيلِ جوانب مهمّةٍ من الذاكرةِ الجمعيّةِ الفلسطينيّة الغائرةِ في عُمقِ الزمان والمكان؛ كالشجرةِ الظليلةِ في تشكيل الهُويّةِ والانتساب إلى الوطن. وقد تسنّى لي مِن خلال تلك اللقاءات التّعرّفُ على عددٍ من أبناء مسقط رأسي حيفا، منهم مجموعة مِن آل الحاج وشبلاق والصلاح يُقيمون في هيوستن وفلوريدا ومونتريال وعّمان، وعلى مجموعةٍ مِن أبناءِ قريتي بُرقة الحيفاويّين، في مُقدّمتهم الرفيق د. سهيل أسعد نائب رئيس بلدية حيفا، كما تمكّنتُ أيضًا التعرّفَ على كثيرين ممّن يَرجعونَ في أصولِهم إلى بُرقة، منهم: الرفيق غالب سيف رئيس المبادرة العربيّة الدرزيّة، والنائب د. جمال زحالقة، وأحمد درويش الشقيق الأكبر للشاعر الكبير محمود درويش، ود. هاني موسى، ود. سامي حسين، ولا أغفلُ هنا ما أكّدَهُ لي الرفيق أيمن عودة رئيس القائمة المشتركة، بأنّ والدتَهُ تنحدرُ مِن عائلةِ سيف البُرقاويّة.
سجّلتُ في كتابي الجديدِ خلاصاتِ أحاديثي معهم بمضمونِها وسياقِها، وأكّدتُ على صفحاتِهِ أهمّيّةَ التعرّفِ بوعيٍ على الذات والآخر، وضرورةَ تدوين كلِّ ما في الذاكرة من دلالاتٍ ومضامينَ عن الحياةِ الماضيةِ في فلسطين، بكلّ حناياها ومداراتِها وجزيئاتِها وما فيها مِن تفاصيلٍ، حتى لا تُنسى، وتبقى ماثلةً في أذهان الأجيالِ القادمة، كي تُحيي فيهم وعيًا دائمًا للحفاظِ على ثوابتِ هُويّتِهم، وتنحَتُ في ذاكرتِهم علاقةً دائمةً مع فلسطين، بقراها ومدنِها وترابها ورجالِها وأوجاعِها، تمنحهم في غربتِهم رؤيةً حقيقيّةً عن وطنهم، وتحضّهم دومًا على استردادِ حقوقِهم الضائعة. عبّرتُ في كتابي عن تواصُلي الدائمِ مع مسقط رأسي حيفا وقريتي بُرقة، فاكتظّتْ أوراقُهُ بتفاصيلَ كثيرةٍ، يَتداخلُ فيها الراهنُ بالماضي، ويظهرُ المكانُ مُتشبّثًا بمعاقلِ الذاكرةِ، عبْرَ مَشاهد تشكيليّةٍ مُزدانةٍ بذكرياتٍ مُتشعّبةٍ، تربطُ الزمانَ بالمكانِ في سِياقاتٍ نصّيّةٍ نابضةٍ ومُتوهّجةٍ، مُطعّمةٍ بإشاراتٍ دلاليّةٍ كثيرةٍ في دائرة اللفظ والمعنى، تظهرُ فيها الجذورُ الفلسطينيّةُ بقدرةٍ فائقةٍ على البقاءِ والاستمرارِ، على مدى الأيّامِ في عُمقِ الأرض، وهذا ما نحتاجُ إليهِ فلسطينيًّا في الزمن الراهنِ أكثرَ مِن أيِّ وقتٍ مضى، للتعرّفِ على الذاتِ والنّاسِ والمكان، وعلى الوطن كلّهِ بترابهِ ومُدنِهِ وقراهُ وإرثِهِ المُتراكمِ عبْر التاريخ. وبهذا يمكنُ تدوينُ الرّوايةِ الشّفويّةِ الفلسطينيّةِ، في فصولٍ نابضةٍ مُتشابكةٍ، بكلّ ما فيها مِن دلالاتٍ ومضامين، حتى لا تُنسى، وتبقى ماثلةً في أذهانِ الأجيالِ القادمةِ على مدى الأيّام.

نبضاتُ ضميرٍ بينَ شفرتَيْ مِقصّ


 كتبت آمال عوّاد رضوان
أقامَ منتدى الحوار الثقافيّ/ البادية في عسفيا أمسيةً أدبيّة، تناولت كتاب "نبضات ضمير" للكاتبة عدلة شدّاد خشيبون، وذلك في جاليري البادية في عسفيا بتاريخ 4-2-2016، وسط حضور من أدباء وشعراء وأصدقاء، وقد تولى عرافة الأمسية الأستاذ رشدي الماضي، وكانت مداخلاتٌ حولَ الكتاب لكلٍّ مِن د. فهد أبوخضرة، ود. محمد خليل،  والأستاذ رياض مخول، وقراءاتٌ بصوتِ المُحتفى بها عدلة شدّاد خشيبون مِن نصوص نبضاتِ ضمير، ثمّ شكرت الحضور، وتمّ التقاط الصور التذكاريّة!
مداخلة رشدي الماضي: عدلة يا ابنة الضّاد، هذا الوقت لكِ فاكتبي ما تريدين، واستكتِبي الليلَ إذا تأخر مساءً، مبدعة أنتِ وكلّك كلمة، تنوّس بين عدلة وأرق وقلق، تؤرجحُ أرجوحة نورِ المعاني عناقيدَ تنهرُ نهرًا يسيلُ في قلبكِ ظلالا، تتفيّئينها نايًا وحيدًا، تعزفين بهِ أحلامَنا الضّائعة، وتسكبين ضوءَ شموعنا في فناجين، وبسمتُك مَفتوحةٌ على العمرِ، تتكئُ على نارج كتفيْكِ، تمتدّ خيطا يُؤرّخُ اللحظة العابرة، يمسكُ بها لحظة هاربة، ليَفصلَ فيها المدى، ولتكوني سطرًا لا يُدركُ، له آخِر سطرٍ تكتبيننا بهِ أغنية خالدة.
عدلة؛ يا حالة عِشقٍ للضاد، تُعيدينَ بها ترتيبَ المكان والزمان والكلام، تفتحينَ شبّاكَكِ كلَّ صباحٍ، ترتجفين بين يديّ الشمس قصيدةً، ودوْمًا تأتينَ إلينا، ننظرُ لغلالِكِ عصفورةً ملأى بالحضور، بحرًا واسعًا يَملكُهُ الخيال، وجهًا بهيًّا مِن سماءٍ صافيةٍ يَنتظرُ على رصيفِ اللغةِ، ليَزرعَ فينا ما شئنا مِن مطرٍ، يُسِرُّ لنا أنّ فجرًا سيأتي، ويقتسمُ وإيّانا ظلّ أشجارِ الكلام لنعرفَ ما تُخفي، وما معنى أن نكونَ لها، فتنتصرُ حروفُكِ على زمن الصّمتِ ريشة تأتي، ضِحكة شمسٍ تتوارى بين أهداب كلماتك، عنقاءَ تلتهبُ، لكنّها لا تغيبُ. عدلة يا عصفورةٌ غناؤها صنّاجة المعنى، ارقدي في المدى ولو في غابةٍ نائيةٍ، لتبني عشّكِ بيننا.
مداخلة الدكتور فهد ابو خضرة/ نبضات ضمير/ للمبدعة عدلة شداد خشيبون/ دار الوسط رام الله 2015: يضمّ هذا الكتابُ خواطرَ مكتوبة بنثرٍ شِعريٍّ زاهٍ، نثر يَتجّهُ نحوَ الشّعر ويَتّسمُ بِسِماتِهِ، فهو نابعٌ مِن القلب ومَليءٌ بالإيحاءِ وبالمشاعر المُؤثّرة والمُعبّرةِ أصدق تعبير. مِن المعروفِ أنّ هذا النّثرَ الشّعريَّ هو الوسيلة التّعبيريّة التي تحلّ مَحلّ الشّعريّ، حين تكونُ العواطفُ جيّاشة والتّأثرُّ كبيرًا جدًا، وذلك، لأنّ الشّعرَ يخضعُ للتنظيم الدقيق، بينما النثر مُتحرّرٌ منه إلى حدّ كبير، والخضوعُ للتّنظيم الدّقيق مع التّأثر الشّديدِ يأتي على حساب التّأثر غالبًا، وتكونُ النتيجة غيرَ مُرضيةٍ، وحين يَستعصي الجمْعُ بينَ التنظيم المطلوب والأثر المُرافق، فلا بدّ مِن الاتّجاه إلى النّثر الشّعريّ.
إنّ هذه الخواطر وكلَّ الخواطر التي تماثلها، يمكنُ أن تتحوّلَ إلى شعرٍ منثور، حين تريدُ المبدعة أن تكتبَ شعرًا لا خواطرَ، وذلك، مِن خلال التّكثيف، والإيجاز، والاستعاراتِ والرموزِ المُتتابعةِ، التي تجعلُ الكلماتِ تقولُ ما لا تقولهُ عادة، والسّؤال هنا، هل يُسمّى شعرًا ما لا يكون موزونًا مِن الكلام؟ الجوابُ عندَ الكثيرين بالإيجاب، ولكنّ هناك بالمقابل مَن يُجيبُ بالنفي، وهناكَ مَن يَتردّدُ بين الإيجاب والنفي حتّى الآن، مع أنّ الباحثين مُتّفقون على أنّ الوزنَ وحدَهُ لا يَصنعُ الشّعرَ، وإلاّ، فهل نُعتبر ألفيّة ابن مالك في النّحوّ شعرًا؟ إنّ التّمييزَ بين الشّعر والنّظم مُهِمٌّ جدًّا، في هذه الحالةِ وما يُقاربُها، أعني ألفية ابن مالك.
هذه الخواطرُ النّثريّةُ الشّعريّة كُتبتْ بأسلوب رومانسيّ، مع أنّ المدرسة الرّومانسيّة في أدب العربيّ فقدتْ سيطرتَها منذ عام 1945، عندما حلّ مَحلّها الاتّجاهُ الواقعيّ بتأثيرٍ ظروفٍ خارجيّة، وليسَ نتيجة تطوُّرٍ داخليّ، ثمّ حلّتْ مَحلّهما الحداثة وما بعدَ الحداثة، لكنّ هذا التّوجّهَ عندَ المبدعة ليس غريبًا ولا مرفوضًا، إذ بقيَ بعد عام 1948 عددٌ غيرُ قليل مِن الشّعراءِ والناثرين يَستعملونَ الأسلوبَ الرّومانسيّ، وقد أطلقَ عليهم اسمَ "أتباعُ الرّومانسيّة"، ومنهم شعراء وناثرون كبار ومشهورون، ونحن نجدُ أنّ في شِعرنا المَحلّيّ في سنوات الخمسين والسّتين كثيرًا مِن ملامح الرّومانسيّة، وغيرَ قليلٍ مِن أتباعِها، والكتابة بالأسلوب الرّومانسيّ نابعة في معظم الحالاتِ، مِنَ الاهتمام بالمَشاعرِ الفرديّةِ الذّاتيّة، وإعطائها المكانة الأولى في مجالِ التّعبير، وأتباعُ الرّومانسيّة اليومَ في بلادِنا وفي الأقطار العربيّةِ عامّة، لا يُقيّم تقييمًا إيجابيًّا أو سلبيًّا مُسبقًا، وإنّما يُقيّم بحسب ما يَقولهُ النّصُّ أو يُوحي به، فإن كانَ قادرًا على مخاطبةِ المتلقّي والتّأثير فيه، قُيّم تقييمًا إيجابيًّا وإلاّ قُيّم تقييمًا سلبيًّا، وقد ارتبطت المدرسة الرّومانسية في فترةِ ازدهارِها وفي ما أُنتجَ بعد تلك الفترة بمعجمٍ لغويٍّ مميّز، تُستمدّ مُفرداتُهُ غالبًا من الطّبيعةِ والعاطفةِ الإنسانيّةِ والموسيقا وما إليها، وهو معجمٌ يَهتمّ بجَماليّةِ الكلمةِ وموسيقيّةِ التّركيب، سواءً كان موزونًا أو غيرَ موزون، كما ارتبطت بأسلوب تعبيريٍّ يُحاولُ أن يتوسّط بينَ الوضوح والغموض، وإن كان ميلهُ إلى الغموض هو الأبرزُ في أحيانٍ كثيرة.
الغموضُ كما هو معروفٌ في كلّ الآداب العالميّةِ الحداثيّةِ عنصرق أساسيٌّ جدّا في الشّعر، وموجودٌ فيهِ بطبيعته، لأنّ الشّعر قائمٌ على الانزياح دون غموض، ولكنّ المدارسَ الأدبيّة التي جاءت بعدَ الرّومانسيّة، مالَ العديدُ منها إلى تكثيفِ الغموض ودفعِهِ باتّجاه الإبهام في أحيانٍ كثيرة، وإذا كانَ الغموضُ لا يُثيرُ جدلًا اليوم، فإنّ الإبهامَ ما زالَ يُثيرُ جدلًا شديدًا، وما زالَ الكثيرونَ يَرفضونَهُ. وإذا كانت المبدعة عدلة شدّاد خشيبون قد اتّجهتْ في عددٍ مِن المواقع في كتابها هذا إلى الغموض المُكثّفِ، الذي يَحتاجُ إلى إعادةِ القراءة أكثرَ مِن مرّة، لاستيعاب ما يَقولُهُ أو يُوحي بهِ، فإنّ هذا الأمرَ مَقبولٌ جدّا اليوم، بل هو مُفضّلٌ في الكتابةِ والرّومانسيّةِ الرّاهنة، لأنّهُ يَربطُ هذه الكتابةَ بأسلوبٍ مُشبّعٌ في هذا العصر ومُفضّل عند الكثيرين، وفي اعتقادي، أنّ الأسلوبَ الذي سيكونَ انتشارًا في السّنوات القادمة هو الأسلوبُ المُعتمِدُ على الغموض أو الإبهام، ومَن يُتابعُ الشّعرَ الذي يُكتبُ اليومَ، يجدُ هذا الأمرَ واضحًا.
مداخلة د. محمد خليل: ((نبضات ضمير)) للكاتبة الواعدة عدلة شداد خشيبون: أهلًا  بكم ومعكم تحتَ مظلةِ الأدب والإبداع! في هذه الأمسية الأدبيّةِ الثقافيّةِ المميّزة، نقاربُ واحدًا مِن الأجناس الأدبيّةِ التي يُمكنُ تصنيفُها على أنها "خواطرُ أدبيةٌ"! ونحنُ حينَ نسجِّلُ ذلك التصنيف لـ "نبضاتِ ضمير"، فهذا لا يعني أنّنا نُبخسُ هذا اللونَ قيمتَه المعنويّةَ والفنيّةَ، أو نقلِّلُ مِن مكانتِهِ وأهمّيّتِهِ، بل العكسُ هو الصحيح! فالخواطرُ الأدبيّة فنٌّ أدبيٌّ قائمٌ بذاتِهِ، لهُ مميّزاتُهُ الإبداعيّة الخاصّة، ونحن قرّاءً ومُبدعينَ وحركةً أدبيّة مَحليّة لا يمكنُنا أن نستغنيَ عن مثلِ هذا اللونِ الأدبيِّ، لأنّه قليلٌ في مشهدِ حركتِنا الأدبيّةِ المَحليّة، لكنَّ شرطَ التلقي والقبولِ أن يَرتقِيَ إلى المستوى الأدبيِّ والفنيِّ المَطلوبيْن!
يقول د. عزّ الدين إسماعيل في كتابه (الأدبُ وفنونُه) عن فن الخاطرة  الأدبيّة: "وهذا النوعُ الأدبيُّ يَحتاجُ في الكاتب إلى الذكاءِ، وقوّةِ الملاحظةِ، ويَقظةِ الوجدان"! وقد تُعرَّفُ الخاطرةُ الأدبيّةُ على أنّها تعبيرٌ عن مكنوناتِ النّفسِ، وما يَدورُ فيها مِن صراعاتٍ أو حُبٍّ أو حزنٍ أو حتى ضيقٍ أو ألمٍ أو فرح وسعادة، بكلماتٍ أخرى، تُكتبُ الخاطرةُ الأدبيّة عندما يَتعرّضُ الإنسانُ لموقفٍ عاطفيٍّ أو وُجدانيٍّ مثلًا، فتتحرّكُ أحاسيسُهُ، ويَبقى هاجسُ الموقفِ ماثلًا أمامَهُ لمدّة طويلة! صفوةُ القول: الخاطرة الأدبيّةُ بمنظورٍ ما، هي فنٌّ أدبيٌّ وتعبيريٌّ عما يَخطرُ في القلبِ والعقلِ مِن أفكارٍ وهواجسَ يُترجمُها اللّسانُ لكلماتٍ وعبارات. إلى ذلك، تُعنى الخاطرة الأدبيةُ بوصفِ الحالةِ الداخليّة للكاتب أو نظرتِه لشيءٍ ما، ممّا يَمرُّ بهِ في الحياةِ مِن تجربةٍ أو مواقفَ أو قيمٍ إنسانيةٍ في محيطِهِ القريب، مثالُ ذلك: الأسرة، المجتمع، الصداقة، الحُبّ، وما إلى ذلك!
"نبضاتُ ضميرٍ" يمكنُ أن تُعدَّ مَرايا عاكسةً لصُورٍ تُحاكي أو تكاشفُ الكاتبةَ نفسَها، وهي في غالبيّتها العظمى، بوحٌ ذاتيٌ على شكلِ خواطرَ أدبيّةٍ مجبولةٍ على البساطةِ والتواضعِ والمَحبّة، لكنّها دامعةٌ حينًا، وباكيةٌ أو نازفةٌ أحيانًا! وهو مَعنى قولٍ يُنسب إلى كافكا: الكتابةُ انفتاحُ جرح ما، علمًا أنَّ النجومَ تزدادُ بزوغًا كلما ازدادتْ ظلمةُ الليلِ حُلكةً!
تبدأ المكاشفةُ فيها بعرضٍ لتجاربَ متواليةٍ مرّت بها المؤلفة مما يعتلجُ في أعماق الذات، وذلك من خلال رصدِ الأحداثِ المؤلمةِ والصعبة التي أعدّتها الأقدارُ وتعرَّضتْ لها المؤلفة، وتركتْ ندوبًا عميقةً في حياتِها، وقد أرختِ العَنانَ لعواطفِها كي تنطلقَ على سجيّتها، وتتكلمَ أو تكتبَ كيفما تشاءُ في شرقِنا الباحثِ عن كلِّ عاطفةٍ وإحساس! الأمرُ الذي يُذكّرُنا بالكاتب المصريّ المنفلوطيّ وكتابيْهِ "النظرات" و "العبرات" تحديدًا، وذلك لكثرةِ ما "ذرَّف" فيهما مِن دموعٍ، وأبدى من أحزانٍ على بعض جوانب المجتمع، مقلِّدًا بذلك أسلوبَ الأديبِ الفرنسي الرومانسي "ألفونس كار" (1808-1890م)، صاحبِ روايةِ "مجدولين" المعروفة، وعليهِ، نحن لا ننكرُ على المبدع أنْ يستفيدَ من تجاربِ الآخرين ويتأثَّرَ بهم، إلّا أنّه يُفترضُ بهِ أيضًا أن يُضيفَ إليها من ابتكاراتِهِ الخاصّة، وفي مقدّمتها شيفرتُه الخاصّة! إلى ذلك، قد لا أراني مُجانبًا للصوابِ إذا قلت: إنَّ العواطفَ وحدَها لا تصنعُ أدبًا، مع التنويه بأننا لم نلتقِ بربّةِ الخيال أو ربةِ الجمال في تلك الصور، إلّا في ما ندر، وكلتاهُما مِن السّمات الأساسيّة التي لازمت مفهومَ الإبداع، لكن، في المقابل والحقُّ يُقال، نراها تتقنُ فنَّ العباراتِ الُّلغويةَ والمفرداتِ الأدبيّةَ على نحوٍ لافت، والكلامُ في هذا المجال قد يَطولُ فأقولُ: تحفلُ لغةُ "نبضات ضمير" بتناصاتٍ أدبيّةٍ، وصورٍ فنيّةٍ مُتعالقةٍ بلغة الكتاب المُقدّس والقرآن الكريم، ألفاظًا وجُملاً ومَجازًا وجرسًا، كذلك، ثمّةَ تناصّاتٌ جميلةٌ متأثرةٌ بأسلوب الخنساء، وأبي العلاء المعرّي، ونزار قباني، وجبران خليل جبران، والسيَّاب، وبعضِ أدبائنا المَحليين!
وبالنظر إلى ما يَعرِضُ لهُ الكتابُ مِن واقع، فقد نجدُ أنفُسَنا أمامَ سؤالٍ مشروعٍ يتبادرُ إلى الأذهان وهو: هل الأديبُ مُجرّدُ مُصوِّرٍ يَحملُ آلةَ تصويرٍ فوتوغرافيّ على عاتقهِ لتصوير الواقعِ كما هو، ليس أكثر؟ الإبداع والمُبدعُ يحتاجان إلى القلب الكبير، جنبًا إلى جنب الذهن المتوهّج والإرادةِ القويّة، لأنه يبحث دائمًا عن كلّ ما هو جديدٍ ومُبهِر، كما أنّه يَبتعدُ عن المحاكاة والتقليد، ويبتكر ما هو متميِّزٌ وجديد! الإبداعُ الفنّيُّ نشاطٌ اجتماعيٌّ وجدانيٌّ وذهنيٌّ معًا وفي آن. من هنا كان الفنُ وما زال قادرًا، بطريقته الخاصّة، على المواجهة والتحدّي وتجاوزِ العقباتِ بُغيةَ تغيير الواقع، وأحسَبُ أنّ مَن يُقاربُ ثنايا "نبضات ضمير" بما يشتملُ عليه من خواطرَ أدبيّةٍ، يستطيعُ أن يتبيَّنَ مدى ارتباطِها بكيان الكاتبةِ نفسيًّا ووجدانيًّا واجتماعيًّا، وما تَعنيهِ مِن دلالاتٍ واضحةٍ جنبًا إلى جنب مشاعرِها وأحاسيسِها وذوقِها، التي تبدو فيها طافحةً بصدقِ العاطفةِ وحرارةِ التجربة ومرارتِها على المستوى الشخصيّ. ومع إدراكِنا التامّ لمدى صدقِها وواقعيتِها، فهي نابعةٌ من صميمِ الأعماق، الأمرُ الذي أكسبَها قيمتَها وحيويّتَها، عِلمًا بأنّ الصدقَ وحدَهُ لا يكفي، فالصدقُ يُطلبُ مِن الأنبياءِ لا من الأدباء! ومعَ اهتمامِنا وتعاطفِنا الذي قد يَصلُ حدَّ التماهي أحيانًا مع الكاتبةِ لأسبابٍ أو دوافعَ متعدّدةٍ، فإنّنا أو بعضُنا على الأقلّ، كان يَطمحُ لو أنَّ الكاتبةَ لم تكتفِ أو تتوقفْ عند شخصنةِ الأحداث، أي على المستوى الشخصيّ فحسب، إنّما حبّذا لو كانت تجاوزتها إلى أبعدَ من ذلك، كأنْ تُلامسَ وتداعبَ أيضًا ولو في بعضِ جوانبِها، خواطرَ الإنسانِ وأفكارَهُ وهمومَ المجتمعِ على المستوييْن الفرديّ والجمعيّ على حدّ سواء، وذلك تأكيدًا للتعبيرِ عن الرؤية المُعاصِرةِ للفنّ! بمعنى؛ أنَّ فعلَ الكتابةِ يُفترضُ أن يكونَ وثيقَ الصّلةِ بما هو معاصرٌ للإنسان في كلِّ مكان. من هنا، رُبَّ سائلٍ قد يسألُ: تُرى هل تجاوزت الكاتبةُ نفسَها لجهةِ حياتِها الخاصّة؟ هل أتت القارئَ بكشفٍ جديد ووعيٍ تامّ لحياتِهِ على أرض الواقع، لأجل التحرّرِ والانعتاقِ مِن ذلكَ الواقع الرّاهنِ المَعيش؟ فالقارئ وبحقّ، يبحثُ عن تربةٍ خصبةٍ فيها آليّاتُ الكتابةِ الفنّيّةِ، من أبعادٍ دلاليّةٍ وترميزٍ وتمويهٍ وإيهام، يبحثُ عن القيمةِ المُضافةِ مِن كلِّ فنّ، وفي الوقتِ نفسِهِ عن الانفعال وهو التطهير وعن التفاعل، عمّا يمكنُ أن يحرِّكَه وجدانيّا وذهنيّا، بغيةَ إثارة السؤال أو التساؤل أو التأمل والتفكير في أقلِّ تقدير. لكنَّ واقعَ الحالِ يُثبتُ أنَّ الكاتبة آثرَت الاكتفاءَ بالبوْح الذاتيّ على كلِّ ما عداه، لأجلِ ذلك كلِّهِ، أحسبُ أنّ القارئَ يُفضّلُ بالمُطلق لو أنّ الكاتبَ لا يتعجَّلُ، بل ينتظرُ حتّى تختمرَ عجينتُهُ كما يجب، ولا يَبقى مجالٌ للتساؤل: تُرى هل نحن نكتبُ أكثرَ ممّا نقرأ! إلى ذلك، يلحظُ المرءُ أنّ الكاتبةَ تشعرُ بغربةٍ اجتماعيّةٍ ونفسيّةٍ قاسيةٍ في المجتمع، على الرَّغمِ من كثرةِ النَّاسِ مِن حولِها، غربةٌ لا يعودُ سببُها لكونِها امرأةً أبدًا، إنّما لأسبابٍ خانقةٍ وظروفٍ موضوعيّةٍ قاسيةٍ وصعبةٍ تحيطُ بها، قد يَنوءُ الإنسانُ العاديُّ بحَمْلِها، مع أنّها تميلُ كثيرًا لجهة المرأة، وتتعاطفُ مع بناتِ جنسِها على نحوٍ لافت، وقد يبدو للقارئ مِن حين لآخرَ أيضًا، أنّ الكاتبةَ لم تستطع بعد التخلُّصَ أو التحرّرَ مِن شرنقةِ ما يُسمى "الرّجُل الشرقيّ المتسلط" ومِن "العبوديّة للرجل"، وما إلى ذلك مِن عباراتِ زمنٍ قد مضى وانقضى إلى غير رجعة! وإذا كنّا نلتفتُ إلى الماضي بعين، وننظرُ إلى الحاضر بالأخرى، فما كان أحرانا أن نتطلعَ إلى المستقبل بكلتيْهما!
مهما يكن، فالقيمةُ الجوهريّةُ لأيِّة آثارٍ أو إصداراتٍ، على الرَّغم من أيِّ خلافٍ أو اختلافٍ أو نقاش يُثارُ حولَها، أنّها تَظلُّ منجزاتٍ إبداعيَّةً، طبعًا بدرجاتٍ مُتفاوتةٍ نسبيّا، بكلّ ما للكلمة من معنى، فلا أحدًا يولدُ كاتبًا أو شاعرًا! وأختُمُ بالقول: لا شكَّ أنّ "نبضاتِ ضمير" هو باكورةُ نتاجِ الكاتبة، لذا فهي الخطوةُ الأولى، لكنّها خطوةٌ جريئةٌ على درب الآلام، حيثُ عذاباتِ الحروفِ والكلماتِ، في مشوارٍ قد يطولُ مسافةً ويتّسعُ مساحةً، وعندي ثقةٌ وأملٌ بأنّ غدًا سيكونُ أكثرَ فرَحًا وإشراقًا وإبداعًا، نشدُّ على يديِّ الكاتبة أملًا أن يكونَ هذا القطرُ أوّلَ الغيثِ ثمّ ينهمرُ، ونحن بالانتظار لقطف الثمارِ معًا في قادم الأيّام، فقُدُمًا إلى أمام، وشكرًا.
مداخلة رياض مخول: بعدَ قراءاتٍ كثيرةٍ متعدّدةٍ لنصوصٍ الكاتبةٍ عدلةَ في إصدارٍها الأوّلٍ، والّتي نشرَتْ جميعَها في الملحقِ الأدبيِّ لجريدةِ الاتحاد، اسمحوا لي أنْ أستغلَّ هذه الندوة لأعرّجَ على ظاهرةٍ خطيرةٍ مُقلقةٍ؛ فبعدَ مُشاركاتٍ في ندواتٍ أدبيّةٍ وثقافيّةٍ وفنيّةٍ، لمستُ أنّ الفكرَ النقديَّ أو التوجيهيَّ؛ المسموع أو المكتوب، يَضيع أحيانًا في متاهةِ المُجاملاتِ والعلاقاتِ الشّخصيّة، فلا نسمعُ أو نقرأ إلّا لغة إنشائيّة، بعيدًا عن الموضوعيّةِ والعُمق في الدّخول إلى أعماق النّصّ البنويّة الشّكليّة والفنيّة والمحتوى. دعونا نتخلّص من ذلك، ونشجّع الكتابة بموضوعيّةٍ ونقدٍ بنّاء، يُفيدُ الكاتبَ ويقودُهُ إلى إغلاق فجواتِ الضّعفِ في كتابتِهِ، وإبراز المقوّماتِ الفنيّةِ الجماليّةِ والمعنويّة، كي نوقف- إذا استطعنا ذلك- كثيرًا من الفوضى الكتابيّةِ والنّقديّةِ الّتي تجتاحُ هذا الزّمانَ الرّديء..
 الكاتبة "عدلة" في إصدارها الأوّل، عرضتْ لنا نصوصًا تتميّزُ بجَماليّةٍ خاصّةٍ، أظهرتْ مِن خلالِها قدرةً كتابيّة مُدهشة، بعباراتٍ موجزةٍ مُكثّفةٍ بالاستعاراتِ الحيّةِ النابضةِ بالحركةِ والحياة، حيث استطاعت أن تجمعَ عوالمَ مختلفةً واسعةً في النّصّ الواحد، بدْءًا مِن حياتها العائليّةِ الخاصّة ومِن مُحيطِها الصّغير، إلى محيطِها العامّ البعيدِ الداخليّ والخارجيّ سياسيًّا واجتماعيًّا، والكاتبة في هذا الإبداع لها مفاتيحُها الخاصّة، وقد استعانت بها بأساليبَ وطرائقَ متعدّدةٍ جماليّةٍ، وبما أنّ الجماليّة حالةُ مشاركةٍ أو تعاون بين العمل الأدبيّ الفنّيّ والمتلقّي، وتعتمدُ أساسًا على التّفاعل نتيجة ما نشعر به من متعةٍ واكتشافٍ، أو ارتياح أو قلق بتأثيرات هذا التّفاعل، هكذا يستطيع المتلقّي، القارئ اليقِظ أنْ يستبطنَ ويفهمَ أبعادَ أيّ نصٍّ، مِن خلالِ ربْطِ الدّلالاتِ اللّغويّةِ، والهندسةِ الجدليّةِ للجُملِ، وما تحويهِ مِن صورٍ جَماليّة. يقول محمّد مندور:" التّحدّثُ عن المبنى والمعنى كالتّحدّث عن شفرَتَي المِقصّ، والتّحدّث عن جودةِ أحدِهما كالتّساؤل عن أيّ الشّفرتين أقطع!"
نجدُ في نصوص عدلة التحامًا واضحًا في الشّكل والمضمون، في جدليّةٍ لغويّةٍ معنويّةٍ ومَبْنَويّة في ترتيبِ الجُمل،وهندسةٍ إيقاعيّةٍ تقتربُ إلى لغةِ الشّعر في صورٍ استعاريّةٍ عميقة. تكتب عدلة في النصّ الأوّل " فاتنة حبيبتي الصّغيرة": "اليوم الّذي فارقتْ نفسك الحياة، فارقتْنا الابتسامة والبهجة والسّعادة". مِن فاتنة كان استهلالُ عدلة، وكانت صرختها الإبداعيّة الأولى، فانفجرت إبداعًا وصرختْ في ألم: "انفجري يا مفردات واكتبي يا نفسي، اكتبي ما يحلو لك عن ذلك اليوم المشؤوم الّذي مرّ في شتاء هذا العام في نهاية كانون".
فجعت الكاتبة برحيل مفاجئ لأمّها أثّر فيها كثيرًا، حيث بدا واضحًا في أغلب نصوصِها، فمِن النصّ الأوّل، وتحديدًا في الصّفحات الثّلاثين الأولى، نجد سيطرةً  لمعجمٍ تعبيريّ واحد (موتيف الغياب) مشحونًا بالألم والحزن، لكنّ الكاتبة تنتفضُ في نهايةِ كلّ نصّ، وتحوّلُ ذلك إلى رؤيةٍ تفاؤليّةٍ، تستعيدُ فيها قوّةَ الحياة والانتصار على الضعف.
ومن أمثلة التعابير الدّالّة على "الغياب": التّلاشي، تلاشت، اختفى، تاهت، طريق بلا مخرج، توارى، توارت، محطّتي خالية، غيابك، ترحل لترحل، تغيب لتأتي، تغطّى، يغلّف، الغروب، الرحيل، الاحتجاب، الفراق، المغادرة، التّناثر، التّواري، الجمود، الذّوبان، الحجاب...الخ.     
ومن يتابع سائر النّصوص بعد الصّفحات المذكورة يجد أنّ هذا المعجم التّعبيريّ قد زال كليًّا وحلّ محلّه المعجم التّفاؤليّ الّذي ينتشي بالتّجدّد والتّحدّي في فرح وأمل. ومن أمثلة ذلك: "ستنمو، أجل ستنمو، ستكون بذورٌ ويكون بستان" وأيضا: "وراء كلّ خريف ربيع يبتسم".
والملاحظ أنّ الكاتبة تنوّع في أسلوبها، ويظهر أنّ "الالتفات" ظاهرة بارزة في جميع النّصوص، حيث تنتقل من عالمها الخاص لتتّصل بالعالم الجماعيّ الأوسع، وتتحوّل من خطاب إلى آخر، وتتّخذ الطّبيعة الحيّة والجامدة جسرًا في إيصال أفكارها ومشاعرها، وهكذا يظهر "الأنا المتغيّر" في أغلب النّصوص: "أنا لست أنا كلّ يوم".  " أنا لم أرفع شعار الاستسلام بعدُ؛ لأنّ النّجم في داخلي". "أيّها الأمل الغافي على كتف حريّة الضّمير، حان وقتك لتنهض". "انتعلت جرأة الجنديّ بثقة أرز لبنان". "انتفضت سمكة من قاع البحر وأخذت تحلم بعالم بلا حدود". "كيف سيعرفون زوال جمرة ملتهبة إن لم يكتشفوا من فوقها الرماد". "كيف سيعرفون أنّ في التّراب بذرةً حيّةً".
أمّا الاستعارة فقد جاءت عفويّة تحمل دِلالاتٍ وأبعادًا تتعدّى حدود الخيال،تمتزج بالواقع في فنيّة خاصّة موحية. والصّور الفنيّة في أغلب الجمل ترتكز على الاستعارات، والاستعارة حسب تعريف جاستون بلاشر هي صورة "إنّ الصّورة نبتة تحتاج إلى أرض إلى سماء وإلى جسم وإلى شكل". وهذا فعلًا ما نجده في استعارات الكاتبة، استعاراتها لها أرض خصبة وسماء كريمة في كواكبها وغيومها، في ليلها ونهارها، وبحر وفصول متعاقبة، وصحراء يمتدّ فيها الزمن ويقصر: "البحر يعطش كما الصّحراء، الصّحراء تتنفّس ماء البحر المالح، ويبقى كلاهما يبحثان عن الماء للارتواء". "الغربة غربة حجر". "حاصرهما صمت الغياب اللّعين". "هل يذوب الشّوق أم يتجمّد".
 ولنسمع/ ولنقرأ معًا بإمعان: "عذرا أيّتها الغزالة الصّفراء.. لا  ترسلي شعاعك، فأنا لست بردانة... هي عاصفة الظلم قويت على كلّ ثياب العدل والإنسانيّة، فبت أبحث عن رداء يلائم عواصف القهر؛ ليقيَنا من جور الباحثين عن دموع اليتامى ليعجنوا بها طحين تفاهتهم، ليغمسوا خبز حقدهم بزيت لؤمهم... أنت يا طفلة الحريّة لا تخافي، ويا براءة الأطفال،   لا تشعري بوحدة؛ فأنا مثلك أحبّ البحر، أعشق صوت الغمام، أتنفّس من هدير النّهر، أغفو على لحن الغربان، فخريف يعاقب خريفًا، وحلم يصارع كابوسًا، وبينهما مرجان يستصرخ أسماك القرش وحيتان القاع، وبنفسج يملأ البستان بأريجه رغم ثورة البركان... علا صوت النّاي بلحن الآهات، في كلّ بحر ملفٌّ للذّكريات".
 إنّنا نجد في هذه الاستعارات الإيقاعيّة المركّبة الحيّة عوالم مختلفة متجانسة حينًا، ومتضادّة حينًا آخر في هندسة جدليّة عفويّة، تتحرّك فيها الألفاظ والتّعابير في انسياب وجدانيّ عاطفيّ جيّاش في نغم شاعريّ، لتكوّن شبكة مفتوحة من العلاقات والثّنائيّات الّتي أرادت من خلالها إبراز كثير من مفارقات وتناقضات هذا العالم، بدءًا من المحيط الضيّق ووصولًا إلى المحيط الأبعد والبعيد بأبعاد دِلاليّة رامزة موحية.
وقد وُفّقَت الكاتبة في توظيف الموسيقا الداخليّة- التّنغيم- في هندسة إيقاعيّة  معبّرة، وهذا ما زاد من جمالية التّراكيب الاستعاريّة، كما كان  لتوظيف التجنيس بكلمتين متجاورتتْن أثر موسيقيّ بارز في إثارة القارئ وبثّ الدّهشة فيه: "أحزانها ألحانها". "الجنين والحنين". "القلق والأرق". "الأشواق والأشواك". "تسمع صدى الصّوت من ذاك السّوط". أملي أن أكون في هذه المداخلة قد ألقيت الضوء على بعض مقوّمات نصوص الكتاب،  آملا في القريب العاجل أن أفيَه حقّه في دراسة تفصيليّة واسعة، تشمل توضيحات لسدّ بعض الثّغرات البسيطة في بعض نصوص الكتاب، ننتظر إبداعًا جديدًا منك يا عدلة.
مداخلة حسام برانسي: احتفاءً بكتاب نبضات ضمير للكاتبة عدلة شدّاد خشيبون: يا مْعَمْدِه الكِلمِه بالمَحبِّة/ بصِدقِ المَشاعر عَمَّدِكْ رَبّي/ عمْ تِغِرْفي مِن نبعِةِ الإحساسْ/ وْبِعْقُولْنا الإبداع بِتْصُبّي/ فِكْرِكْ يا عَدله مِسْبَحِةْ ألْماس/ وِمْنَقّيِه حَبِّه بَعِدْ حَبِّه/ وْقَلبِكْ نَقي بِيحِبّ كلِّ الناس/ لا بْتِحِقْدي وْلا بْتِعِرْفي تْخَبّي/ وْشُو بْتِفْرَحي عَا طنّة الاجراس/ وِبْتِفْرَحي أكثرْ بَعِدْ بِكْثير/ لمّا الصّليبْ يْعَانِقِ القِبّه.
ع كْتابْها الليْله نْزِلْنا ضْيوف/ والحَرْف بالإبداعْ حَيّانا/ وَصَبِّ الوَحي فوْق السّطورِ حْرُوف/ لمْعِة فِكِرْ نوَّرْ مْحَيّانا/ وْحَتّى شموخ وْعُنفوان نْشوف/ وْنَفحِة قداسِه بْرُوح مَلقانا/ شرْحِت خبايا القلب عَ المَكشوف/ وْأخدَت مِنِ جْبال البْقيعه شْموخ/ وأخذت قداسِه مِن عُرس قانا.
قَريت الكتاب وجَمَعِت غَلّه/ حتّى الفِكِر ما يْعيش بالقِلّه/ وعَ قدْ ما قلّبِتْ بالاوْراق/ فَزّ الوَحِي مِنْ مَضْجَعُو وَقالْ لي/ شُفِتْ بِعْيونَكْ لمعِةِ الأحداق/ مِثِلْ الـْ كأنّكْ خاشِعْ تْصَلّي/ شو قَريت؟ قالْ لي، مِن زَمَنْ توّاق/ اسْمَعْ حَكي مَوْزون مِتْجَلّي/ وْبَلّشِتْ اِقْرا، وِالوَحي مِشتاق/ يُقطُفْ زَهِرْ تَا يْعَرِّمِ السّلّه/ وْلَمّا انْتهيتْ، بْلَهْفِةِ العِشّاق/ باسْ الِكْتاب وَقَبِلْ ما يْوَلّي/ قال لي بْتواضُعْ وْبُلُطُفْ أخلاق/ ما دام عِنا هيك في كُتّاب/ مْنِقدَرْ عَ أعْلا سَمَا نْعَلّي .
مداخلة عدلة شداد: في بستانِ مَحبّتِكم زرعتُ أفكاري، فارتوَتْ مِن دفْءِ كلامِكم، ومِن خِلالِكم كانَ نبضُ الضّميرِ قوّيًا، وكانَ المولودُ ضميرًا يَنبضُ بأملٍ مُتوارٍ خلفَ حكاياتِ لبنى وسعاد، وآهات بثينة وسلمى، ودمعاتِ خولة واستغاثة نورس وهزار. كانَ الضّميرُ ربيعًا في الخريف، وصيْفًا في الشّتاء، فكتبَني بمدادِ آذار المرأة والعطاء، وأيّار شهر الدّمعةِ والابتسامة. مولودةُ شتاءٍ أنا، وغيماتي ليستْ خلّب، فهي صادقةٌ، وصِدْقُها في رِعدةِ كانون وسَيْلِهِ، وحين قرّرتُ أنْ أجمَعَ نصوصي في كتاب، أتى العنوانُ وحدَهُ لا مُنافِسَ لهُ، فأسرعتُ لعلبةِ خيطاني التي ورثتُها مِن أمّي الغالية، وطرّزتُ الغلافَ، ففي كلِّ غرزةٍ نبضةُ ضميرٍ، ودقّةُ قلبٍ وشكرٍ وعرفانٍ لهذه العظيمة، فلها نبضُ روحٍ لا يَنضبُ لا ولن يموت.
فإنْ كنتُ قد اخترتُ قماشَ الكتاب أسوَدَ اللّون، فقد تمّ اختيارُ ألوان الأمل لتزيّنَهُ، فلكَ أيّها القارئُ تقعُ عمليّةُ بحثٍ لترى الأملَ في كلّ نصٍّ. عميقُ شكري لكلّ مَن غيّبَتْهُ الظروفُ ومَنعَتْهُ مِن مُشاركتي، وأخصُّ بالذّكر صديقتي ورفيقتي الكاتبة هديّة علي، فقد غيّبَتْها وفاةُ اختِها اليوم.
الصّديق فؤاد نقّارة والغالية سوزان اعتذرا، ليقوما بترتيب أمسيةٍ في النّادي للأديب سهيل عيساوي، فلهُما عميق شكري، وحباهما الله بالصحّة والعافية. عميق شكري للشاعر رشدي الماضي الذي فاجأتي بترتيب موعد هذه الأمسية، فهنيئًا لنا به وهنيئًا للبادية بشموخه. أستاذي في جامعة حيفا د. فهد أبو خضرة؛ شرفٌ كبيرٌ لي أن تكونَ نجمَ أمسيتي، فخورةٌ جدّا بكَ واعتزازي بشموخك أكثر وأكثر من الأعماق، لك باقة شكر وامتنان. وباقة شكر لد. محمّد خليل على هذه القراءة الثّاقبة، وعلى تذليله لمواعيده وحضوره، ليلقي الضّوء على نبضات ضميري. وشكري للشّاعرة آمال عوّاد رضوان على تشجيعِها الدّائم، وإصرارها على إخراج هذه النّصوص على شكل نبضات ضميري. الصّديق الأستاذ رياض مخّول الذي عانق النّبضات، وألقى الضّوء عليه من نواحٍ عدّة، شكرًا من أعمق الأعماق أستاذي العزيز. الصّديق الشّاعر الزّجال حسام برانسي الذي أراد أن يُعبّر بطريقة فنيّة مُغايرة، شكرًا لحضورِك ولإلقاءِ الضّوء بهذه الطّريقة الرّائعة، من الأعماق أشكرك. شكرًا لمنتدى الحوار الثقافي البادية وللأخ أمين قاسم على كرَم الاستضافة والَضّيافة. شكرًا لصديقاتي العسفاويات والكرمليّات ما أغلاكم، فقد سكنت أثناء تعليمي في جامعة حيفا في عسفيا، ولي فيها ذكريات جميلة. ما أسعدني بكم إخوتي وأخواتي الأعزّاء، والشّكر الأكبر لكلّ واحد منكم لكلّ مَن خطط وذلل صعابَ الوصول  ليكون معي، وحين فكّرت بالشّكر لم أتردّدْ ثانية بتطريز النّبضات كهديّةٍ رمزيّةٍ لكلّ واحدٍ منكم، وكأنّي بها أقول: ضعْها في النّبضات وستسمعك النّبضات. بارك الله بكم وألف شكر لحضوركم من كلّ حدبٍ وصوْبٍ. وأخيرًا، شكر خاصّ للرائعة آمال عوّاد رضوان على تشجيعِها الدّائم، ليبقى الضّميرُ نابضًا لنا، وأجمل النّبضات  والشكر لكلّ من كتبَ وتعذّر عليه الحضور!

بلدية كفردلاقوس في زغرتا تكرم المونسنيور نضيره والدكتور البايع




زغرتا ـ  الغربة
كرمت بلدية كفردلاقوس في قضاء زغرتا، خادم رعيتها المونسنيور يوسف نضيره، وابن البلدة الدكتور حميد البايع، خلال احتفال حاشد، استهل بقداس تراسه المونسنيور نضيره، والخوري ايلي دويهي، في كنيسة سيدة لورد في البلدة، بمشاركة واسعة من الفعاليات واهالي البلدة والاصدقاء.
من ثم انتقل الجميع الى قاعة الرعية، حيث اقيم حفل خطابي، شارك فيه الى جانب المكرمين الاثنين المونسنيور يوسف نضيره، والدكتور حميد البايع، قائمقام زغرتا السيدة ايمان الرافعي، رئيس اتحاد بلديات قضاء زغرتا زعني مخائيل خير، ورئيس بلدية كفردلاقوس باخوس نكد، واعضاء المجلس البلدي، الى عدد من رؤساء بلديات القضاء، ومختاريه، وحشد واسع من ابناء بلدة كفردلاقوس والبلدات المجاورة.
استهل الحفل بالنشيد الوطني اللبناني، ثم كانت كلمة تعريف وترحيب من الزميل الاستاذ بدوي حبق، تلاه الاستاذ كارلوس نكد الذي القى كلمة بلدية كفردلاقوس، اشار فيها "الى العمل الرعوي الجبار الذي قام به المونسنيور نضيره في خدمة الرعية والكنيسة، اضافة الى الدور الذي لعبه ويلعبه طبيب القلب الدكتور حميد البايع ابن البلدة في سبيل تقدم الطب والانسانية وابناء بلدته".
ثم كانت قصيدة من وحي المناسبة للاستاذ الاديب انطوان نكد، تبعه في الكلام رئيس اتحاد بلديات قضاء زغرتا زعني خير الذي لفت في كلمته الى " ما قدمه المونسنيور نضيره، من خدمات رعوية للمؤمنين اهل هذه البلدة الطيبين، ولكنائسهم عبر الاسفار المتتالية الى بلاد الاغتراب، من دون تعب او كلل رابطا باستمرار، اهل البلدة مقيمين ومغتربين برباط المحبة والتعاون والمشاركة لتامين الحاجة المطلوبة والمرغوبة لها. فاضحت كنائس هذه الرعية قبلة المؤمنين لما تلقته من اهتمام ودعم عظيمين، فضلا عن الواجبات الراعوية النابضة بفكر المونسنيور وايمانه ومحبته، والدائمة بجهده وتضحياته وعزيمته".
اضاف خير :" وعن الدكتور حميد البايع المليء كفاءة وعلما وانسانية، لما قدمه من محبة لبلدته ومنطقته ووطنه، ومن خدمات مجانية دائمة لمختلف ابناء بلدته كفردلاقوس وغيرهم الكثيرين من كل حدب وصوب، على كل الصعد، وما يزال. ففي ذلك من المرؤءة والنبل والوفاء النادرة، في هذا الزمن الرديء القائم على الانانية".
وختم خير :" انهما قدوة في الخدمة وفي المحبة والعطاء لهذه البلدة العريقة والعزيزة، وهما مثال في الانسانية والايمان وفخر بلدتهما وبلدات القضاء كله".
من ثم تسلم المكرمان درعان تكريما لعطائهما وتقديرا واحتراما لهما لما قاما به في سبيل البلدة واهلها. بعدها قطع الجميع قالبا من الحلوى احتفالا في المناسبة، واقيم حفل كوكتيل.

أكثر من حيلة للحصول على الكحول في المملكة العربية السعودية

فرانس 24
نشرت الجمارك السعودية على حسابها على موقع "تويتر" صورا تظهر مصادرتها لعدد من المشروبات الكحولية وبعض طرق تحيل المهربين لإدخال الكحول إلى أراضي المملكة. مراقبنا السعودي عبد الرحمن يشرح لنا طريقته لاقتناء هذه المنتجات الممنوعة رغم ندرتها في المملكة.

الحيل كثيرة لإدخال الكحول إلى المملكة: فمنهم من يلصق قارورات ويسكي إلى رجليه من خلال شريط لاصق وكأنها حزام ناسف، ومنهم من يخفي قارورات خمر في خزان البنزين، وآخرون يخفون الجعة في جيوب عباءة يلبسونها تحت أخرى. وحسب مصدر محلي، فإن هذا النوع من التهريب لا يتعدى حالات خاصة والمشروبات تأتي أساسا من البحرين. أما عمليات التهريب الأهم، فتتم انطلاقا من الإمارات العربية المتحدة.

    العديد من السعوديين يذهبون نهاية الأسبوع إلى البحرين لقضاء ليالٍ حمراء. بإمكانهم كذلك التوجه إلى دبي ولكنهم عادة ما يفضلون السفر هناك مع عائلاتهم. في البحرين، توجد شوارع بأكملها يذهب إليها السعوديون للسكر في الحانات. كثيرون هم أولئك الذين يعيشون في الرياض ويقطعون 400 كم لفعل كل ما هو ممنوع في المملكة مثل تناول الكحول وتعاطي الجنس دون زواج. البغاء موجود بكثرة كذلك في البحرين، يكفي أن تذهب إلى حانة لتجد مومسات روسيات ومغربيات وحتى صينيات. ومنذ مدة، صارت هناك حتى مومسات سعوديات، لكن ثمنهن باهظ، فقضاء ليلة مع إحداهن سيكلفك على الأقل 500 يورو.

    عند عبور الحدود للعودة إلى المملكة، من الأفضل أن لا تظهر على وجهك آثار الليالي الحمراء وإلا قاموا بتفتيش السيارة بأسرها. كل ما ذهبت إلى البحرين، انتبهت إلى كمية الكحول التي أشربها في الليلة التي تسبق عودتي، وهكذا لم يتم تفتيشي أبدا بطريقة دقيقة. كانوا يطلبون مني فقط فتح البوابة الخلفية.

      من الأفضل أن يكون لك علاقة مع أعضاء الجمارك لإدخال الكحول. وحتى إن كنت تعرف شخصا أو اثنين، فالأمر يبقى خطيرا. شخصيا، لم أجازف ولا مرة. لكن لدي أصدقاء متهورون وضعوا مرة قارورة كحول في حقيبتهم وقرروا ادعاء أنها قارورة زيت زيتون في حال تمت مساءلتهم بعد مرور الحقيبة على الماسح الضوئي. هذا لا يعني أنهم كانوا سيدخلون السجن حتما، فالجمارك قد تكون متسامحة عندما لا تتعدى الكمية الاستهلاك الشخصي. لكنني أفضل توخي طرق أخرى.

       في المملكة السعودية، يمكننا الاستعانة بموظفي السلك الدبلوماسي التابعين للسفارات الأجنبية، فهم يتمتعون بحصانة. هم يجلبون الكحول معهم للاستهلاك الشخصي ثم يبيعون القارورات التي لم يشربوها بثمن خيالي. فثمن قارورة خمر في المملكة 200 يورو. طبعا، هذا مصدر مال مهم لهم، لكنه لا يمثل شيئا مقارنة بالأموال التي يجنيها المهربون، والتي تعد بالملايين. فعلبة جعة ثمنها 10 يورو في أوروبا وتباع في المملكة بـ200 ! وليس من السهل اقتناؤها بل يجب التواصل مع الأشخاص المناسبين. عندما كنت أعيش هناك، كنت باتصال مع أحد المهربين، وأحيانا كان يجب علي أن أنتظر بضعة أيام للحصول على مبتغاي.

       هناك مشروبات محلية الصنع، رغم كون ذلك ممنوعا كذلك. ثمنها بخس مقارنة بالمشروبات المهربة، لكن نوعيتها سيئة. لم يسبق لي أن اشتريت منها، لكني أعلم أنه من الممكن الحصول عليها في أحياء المهاجرين، وتباع خلسة. فالعرق مثلا يباع في قارورة بلاستيك وحذار من المشروبات المغشوشة! طبعا، لن ترى أبدا هذه المشروبات في الأماكن العامة في المملكة ولكن فقط في بعض الأماكن الخاصة والمغلقة. ويجب أن تعرف سلفا المكان والتوقيت. عندما كان أحد أصدقائي يدعوني إلى سهرة خمرية، فالدعوة تكون موجهة لي فقط، ومن المحال أن أقترح على صديق أو زميل اصطحابي. فهذه الجلسات تكون عادة في المساكن الثانوية ويجب أن تبقى سرية. وخلالها، يمكن استهلاك الكثير من الكحول المحلية أو المهربة.

     الغريب في الأمر هو أن القليل من السعوديين الذين أعرفهم والذين يشربون الكحول مثلي يعارضون وجود قوانين تمنع استهلاك وبيع الكحول في المملكة. هم يفضلون أن تبقى البلاد دون كحول وأن يواصلوا السفر إلى البحرين أو الشرق الأوسط أو باقي أقطار العالم ليشربوا هناك دون قيود.a

مكافآة على أمانتها.. الشرطة الألمانية تُعيد سبيكة ذهب إلى فتاة وجدتها بِبُحيرة

ألمانيا (CNN)— 
أعادت الشرطة الألمانية سبيكة ذهب تقدّر قيمتها بحوالي 18 ألف دولار أمريكي، إلى فتاة كانت قد عثرت عليها في بحيرة شهر أغسطس/آب الماضي، بعدما لم تعثر الشرطة على صاحبها ولم يبلغ أحدًا أنها ضاعت منه، ممّا جعل السبيكة مكافآة للفتاة، لا سيما وأن القانون الألماني يتيح هذه الإمكانية في حال عدم اكتشاف صاحب الشيء المفقود، حسب ما أكدته جرائد ألمانية.

الفتاة البالغة من العمر 16 سنة، كانت قد اكتشفت سبيكة ذهب تزن نصف كيلوغرام تقريبًا، عندما كانت تغطس في بحيرة كونغزيه بمحافظة بافاريا، خلال قضائها عطلة مع أصدقائها قادمة من مدينة إيسن، وقامت على الفور بتقديم السبيكة للشرطة، غير أن الشرطة أعادتها لها خلال هذا الأسبوع، معربة لها عن امتنانها العميق لحرصها على الأمانة.

وباستثناء اسم الشركة المصنعة، لم يتضح مصدر هذه السبيكة رغم محاولات الجرائد الألمانية الكشف عن ذلك، إذ هناك من رأى أنها تعود إلى العهد النازي، بما أن النظام الألماني في ذلك الوقت كان يضع سبيكات ذهب على هذه الشاكلة، بينما أشار البعض الآخر إلى أنها قد تكون ناتجة عن عملية سرقة وأن من قام بذلك رماها في هذه البحيرة.

وأشارت جريدة berchtesgadener المحلية إلى أنه من الصعب تأكيد عودة هذه السبيكة إلى فترة النظام النازي، بينما نقلت جريدة Anzeiger  على لسان متحدث باسم الشرطة أن قرار منح الشابة هذه السبيكة، لا يعود فقط إلى القانون، ولكن كذلك مكافئة لأمانتها وحرصها على البحث عن صاحبها، فيما رفضت أسرة الشابة أن تجري هذه الأخيرة أيّ حوار مع وسائل الإعلام لصغر سنها.

الشاعر سيمون عيلوطي يُطلق كتابه الجديد: بنت القسطل، صفورية

افتتحت "دار راية للنّشر والتّرجمة" في حيفا سنتها الثقافيّة الجديدة 2016، بإصدار كتاب جديد للشاعر سيمون عيلوطي بعنوان: "بنت القسطل- صفورية"، وهو عبارة عن مشاهد شعريّة سرديّة يصوّر فيها صاحبها جوانب مختلفة من أحداث وقعت في القرية قبل وبعد العام الـ 48. يقع الكتاب في (96) صفحة من الحجم المتوسّط، جاء بطباعة أنقية وغلاف قشيب، حمل لوحة تحاكي مضمونه الشائك الذي يعبّر عنه مؤلّفه بفن القول، شعراً ونثراً.
يُهدي "عيلوطي" كتابه إلى روح الشاعر طه محمد علي، ابن قرية صفورية الذي واكب خُطواته الأولى على طريق الشعر والأدب، وكان مشجّعه وصديقه، وقد بيّن الشاعر في تقديمه للكتاب بأن "في هذا العمل ملامح لشخصيّات اجتماعيّة وسياسيّة، تشبه شخصيّات واقعيّة نعرفها، ذلك كون "المَشاهِد" تدور حول أحداث جسام، جرت في صفورية قبل وبعد الـ 48، شارك فيها وصاغها بشرف واعتزاز، العديد من أبناء هذه القرية التي ستبقى ذكراها حيّة، تتغلغل في الوجدان، أبد الدّهر" .
أما الأديب محمد علي طه فقد ظَهّر الكتاب بكلمة جاء فيها: "بعد أن قطف "برقوق الجرمق" وحلّق في "سما البروة" وغنّى ل "بيت في معلول" مثلما غنّى لأشجار وأزهار وتراب وأحجار ميعار والمجيدل وكويكات وسحماتا واللطرون يحملنا الشّاعر سيمون عيلوطي على جناحين من جلنّار إلى بلدة صفورية وقلعتها وقسطلها وديرها وبساتينها ورمّانها وملوخيّتها فنحلّ ضيوفا على أهلها الذين رضعوا، كابراً عن كابر، حبّ مائها وهوائها وأحيائها، وما زالوا يعمّدون أطفالهم في نبعها الصّافي مثل عين الدّيك".
"هذه الحكاية الشّعريّة السردية الممتعة، شكلا ومضمونًا، هي تراجيديا مئات المدن والقرى الفلسطينيّة التي دمّرها الجيش الاسرائيليّ ليمحو تاريخ شعبنا وحضارته، التقط شاعرنا كلماتها الهادئة النّاعمة، وصورها الحيّة من الرّيف الفلسطينيّ السّاحر مثلما يلتقط عندليب صفّوريّ غذاءه من ثمرة تين غزالي ناضجة يسيل عسلها على خدّيها".
من جانبه، فقد أفادنا الناشر صاحب "دار راية للنّشر والتّرجمة"، الشاعر بشير شلش بأن كتاب "بنت القسطل- صفورية" يضم بالإضافة إلى مضمونه الشائك، مجموعة من الأشعار التي أستطاع شاعرنا سيمون عيلوطي أن يجسّد فيها التراجيديا المأساويّة التي حلّت بصفورية وغيرها من مدننا وقرانا المهجرة، بأسلوب فينيّ مُسْتمَدّ من التّراث الشّعبيّ الفلسطينيّ يداعب شغاف القلب، وهو بالتالي جدير بالقراءة.    

استدعاء سفير مصر في روما بعد العثور بالقاهرة على جثة طالب إيطالي

بي بي سي
استدعت وزارة الخارجية الإيطالية السفير المصري في روما بطريقة "عاجلة" للتعبير عن قلقها بعد العثور على جثة طالب إيطالي في القاهرة كان قد اختفى الشهر الماضي.

وأبلغت الخارجية الإيطالية السفير عمرو مصطفى كمال حلمي أنها تريد تشكيل لجنة تحقيق مشتركة تتضمن خبراء إيطاليين.

وكان الطالب جيليو ريجيني البالغ من العمر 28 عاما قد اختفى في الذكرى الخامسة لثورة يناير/كانون الثاني، بعد مغادرته منزله في الجيزة، ليقابل أحد الأصدقاء.

وقالت السفارة إن السفير المصري قدم العزاء للوزارة، ووعد بأن مصر ستتعاون بشكل كامل لكشف النقاب عن ملابسات وفاة الطالب الإيطالي.

وقد عثر على الجثة عارية، من منطقة الخصر إلى أسفل - بحسب ما نقلته وكالة رويترز للأنباء عن النائب العام - وعليها علامات حروق سجائر، وضرب، وقطع في الأذنين.

وأفادت تقارير مساء الأربعاء بأن أشخاصا ممن يعرفون ريجيني تعرفوا على جثته، بحسب ما ذكرته مصادر لوكالة أسوشيتد برس. وقالوا إن الجثة اكتشفت على طريق القاهرة-الأسكندرية في الضواحي الغربية لمدينة 6 أكتوبر بالقاهرة.

ونقلت الوكالة عن النائب العام أحمد ناجي، قوله إن سبب وفاة ريجيني لا يزال قيد التحقيق، ولكن يظهر أنه تعرض "لموت بطيء".

وكان ريجيني، وهو طالب دكتوراة في قسم السياسة والدراسات الدولية في جامعة كامبريدج، يعمل باحثا زائرا في الجامعة الأمريكية بالقاهرة.
وقد غادر شقته في الساعة الثامنة مساء بحسب التوقيت المحلي في 25 يناير/كانون الثاني، قائلا إنه يعتزم ركوب قطار الأنفاق من محطة "البحوث" في حي الدقي بالجيزة، إلى ميدان "باب اللوق" بالقاهرة لمقابلة صديق.

وكان هناك أعداد كبيرة من أفراد الشرطة منتشرون في شوارع القاهرة بمناسبة الذكرى الخامسة لبدء الانتفاضة على الرئيس السابق حسني مبارك.

وقبيل حلول الذكرى، دهمت الشرطة 5000 منزل بالقاهرة، بحثا عن أي شخص يعتزم الخروج إلى الشوارع. وقبض على عدد من النشطاء، أما الآخرون فقد اختفوا.

وتقع المنطقة التي كان ريجيني يعتزم مقابلة صديقه فيها قرب ميدان التحرير، رمز انتفاضة 2011.

قصصُ أطفالٍ تُسافرُ بأحلامٍ مُؤجَّلةٍ


كتبت آمال عوّاد رضوان
أمسيةً أدبيّةً للكاتبةِ عايدة الخطيب أقامَها نادي حيفا الثقافي، والمجلسُ المِلّيّ الأرثوذكسيّ في حيفا، واتّحادُ الكرمل للأدباءِ الفلسطينيّين، في قاعةِ كنيسةِ ماريوحنا الأرثوذكسيّة في حيفا، بتاريخ 28-1-2016، ووسط حضورٍ مِن أدباءَ وأقرباءَ وأصدقاء، وذلك لمناقشةِ أعمالِها الأدبيّةِ مِن قصصِ الأطفال، وقد تولّى عرافة الأمسيةِ الكاتب زياد شليوط، وتحدّثَ كلٌّ مِن د. بطرس دلة والكاتب نبيل عودة، وفي نهايةِ اللقاء شكرت المُحتفى بها الحضورَ والمُنظّمين والمُتحدّثين، وتمّ التقاطُ الصّور التذكاريّة!
  مداخلة . بطرس دلة: الكاتبة عايدة الخطيب لها ثلاثة دواوين: الجوري عمرُهُ قصيرٌ، وحمامةُ منتصفُ الليل، وأحلامٌ مؤجّلة، وهي ابنة شفاعمرو، ومعروفة في أوساطِ أدب الأطفالِ أكثرَ منها في مجال الشعر، ولها أكثر مِن أربعين قصّة في أدب الأطفال، وبعضُ قصصِها أعيدت طباعتُها أكثرَ مِن مرّة، بسبب رَواجِها وإقبال الصّغار على قراءتِها، هذا وقد تُرجمَت لها بعضُ  القصصِ إلى اللغةِ الإنجليزيّة، كما حازتْ على جائزة التفرّغ لأدب الأطفال عام 2000. كانت قد بدأت الكتابة في مرحلةٍ مُبكّرةٍ مِن دراستها الثانويّةِ في شفاعمرو، وأوّلَ مَن شجّعَها على الكتابةِ كان الأديب ناجي ظاهر النّصراويّ، والمرحوم البروفيسور نعيم عرايدة (بحسب قولها). وفي بابِ الشّعر قرأتُ لها منذ أكثرَ مِن عشر سنواتٍ "ديوان أحلام مؤجّلة"، وكتبتُ لها رسالة غيرَ شخصيّةٍ قلت فيها: أيّتها الشاعرة! لم أفاجأ بأحلامِكِ المؤجّلة، ولكنّني فوجئت بهذا التأجيل على ما فيهِ مِن عتاب كما في قول الشاعر: إذا ذهبَ العتابُ فليسَ وُدٌّ – ويبقى الودُّ ما بقيَ العتابُ!
في قصيدة "خفقات قلب" ما يَنمُّ عن مضمون الديوان كلّهِ، فتُصوّرُ متعةَ خفقاتِ القلب الأولى بالمحبّةِ الحقيقيّة، وترسمُها كلوحةٍ من أجملِ لوحاتِ الإنسانيّة عندما يتورّدُ الخدّانِ وتفتحُ أبوابَ الجنّة، فندخلها بدون استئذان وبغير جواز، وتُحلّق أرواحُنا مُشرِّعة أبوابَها للفرح، حيث لا مكانَ للحزن، وتعودين إلى الخفقةِ الثانيةِ، فتنقلبُ اللوعة والحبُّ الجميلُ إلى عتاب ومعاناة، ثمّ تُقرّرينَ خلعَ الحبيبِ مِن دائرةِ حياتك، وتُقرئينَهُ السلام لا بل الوداع! لذلك كلّه فإنّ أحلامَكِ مؤجّلة، فمَن هو هذا الذي نغّصَ عليكِ لهفة اللقاءِ في خفقةِ القلب الثانية؟! أهو الحبيبُ الإنسانُ، أم الحبيبُ الوطن الذي سُلبَ وصُلبَ على مذبح التضحيات، وعزّ فيهِ اللقاءُ الحقيقيّ، لقاءُ الاستقلال، ولقاءُ اللاجئين العائدين، وتبادل عواطف اللقاء الموعودين به؟ أنا كذلك أحلمُ بتحقيق حلم العودة وحلم الوطن الحُرّ المستقلّ، ولي بعد ذلك أحلامي الصغيرة الأخرى التي تتجدّدُ في كلّ يوم وليلةٍ، ولا نهاية لِما أحلمُ كإنسان، وكفلسطينيٍّ أسعى إلى تحقيق الأحلام في لوحاتِ الواقع! نحنُ لا نُؤجّلُ أحلامَنا، بل قد نؤجّلُ تحقيقها إذا ما تعذّرَ علينا ذلك، ومع هذا التأجيل قد نُطوّرُ أحلامَنا، لتتلاءمَ معَ الظروفِ التي نعيشُها، ولكنّنا نحلمُ أبدًا وسنحلم، لأنّهُ مِن الصّعب أن نُكبّلَ أحلامَنا، وأن نقصَّ أجنحتنا الخفّاقة برغم كلّ شيء. وجدتُ في بعضِ اللوحاتِ اللغويّة التي رُسمتْ بقلمِك، وفيها شيء مِن تجديد واستعاراتٍ جميلةٍ تحلّقين فيها كقولك: "بفتح ذراعيْهِ ليضمَّني/ أهربُ.. ألتفتُ ورائي/ فأرى الفرح يَمدُّ لسانَهُ/ ويهرب"!
هذه السّخريةُ اللطيفةُ تشبهُ إلى حدٍّ كبيرٍ ما كان قد قاله الشاعرُ الكبير إيليّا أبو ماضي في حديثِهِ، عندما ماتَ أحدُ أبنائِهِ ففارقتهُ السّعادة وقال: عَصَرَ الأسى روحي فسالتْ أدمُعا/ فلمَحتُها ولمَستُها في أدمُعي/ وعلمتُ حين العلمُ لا يُجدي الفتى/ أنّ التي ضيّعتها كانت معي!
تتحدّثين عن الفرح الهارب، وهو يتحدّثُ عن السّعادةِ المفقودة، والوصولُ لديكما واحدٌ، هو فقدانُ عناصرِ وأسبابِ التعلّق بالحياة، وهُما الفرحُ والسعادة! وفي مكانٍ آخرَ لفتتْ نظري توفيقة جميلة في عتاب الذاتِ  في قولِك: "حينَ يُبدّلني حبيبي/ بأخرى/ لا أعاتبُه/ بل أعاتبُ نفسي/ لأنّي لم أحُكْ شبكةَ حُبِّنا بإتقان!" فما هذا التنازُلُ الغريبُ عن طبيعةِ المرأةِ التي تتنازلُ بهذهِ السّهولةِ، للمرأة الأخرى التي تُنافسُها في حُبِّ فتى أحلامِها ولا تغضب؟ ومع ذلك تُلملمينَ أشواقك المبعثرة عطرَ ياسمين، وتوقعينَ مُعاهدةَ الإخلاصِ على صفحاتِ الزمان! فحتى آلهة الإغريق كانتْ تغارُ حتى الموت على مَن تُحِبّ، ولا تتنازلُ بهذه السّهولة، فمِن أيّةِ طينةٍ جُبلتِ أنت؟
في قصيدة "إلى آمال.. الحبّ القائم" تتحدّثين عن الحلم الذي رحلَ، فتضيعُ البوصلة وتضلُّ الهداية، لذلك فإنّ الفرحَ قد يَستثني بعضَ البيوتِ، بينما يَدخلُ الحزنُ جميعَ البيوتِ! هذه النظرةُ إلى سيطرةِ الحزن على حياةِ الناس هي وليدةُ ساعةِ الحزن فقط، مع أنّها صحيحة، إلّا أنّ الحزن لا يمكنُ أنْ يَدومَ إلى الأبد، حيث قلتُ فيهِ ذاتَ يوم: قلْ لِمَنْ يَحملُ همّا/ أنَّ همًّا لا يَدومُ/ مثلما يَفنى سرورٌ/ هكذا تَفنى الهُمومُ! فنحن البَشرُ خُلقنا مِن طينةِ النّسيان، والنّسيانُ نعمة ونقمة: إنّه نعمةٌ عندما ننسى إساءةَ الغير لنا، ونقمةٌ عندما ننسى إحسانَ الآخرين لنا!
ولا أنسى مُحاولاتِكِ لإدخال التّناص في بعض نصوصِكِ الشعريّة، ومع ذلك فإنّ لي بعضَ الملاحظاتِ السريعةِ على أدب الأطفال الذي تميّزتِ به، حيث أنّكِ  كتبتِ بلغةٍ بسيطةٍ يَفهمُها الصّغارُ كلٌّ حسبَ سِنّهِ، لأنّكِ وجّهتِ قِصصَكِ إلى مُختلفِ الأجيالِ الصغيرة، فبدَتْ نصوصُكِ سهلةً قريبة مِن عالم الأطفال. هذا ما ميّز كتابتِكِ في قصائدِك للأطفال، مع أنّكِ لا تُجيدينَ عروض الشعر في كلّ ما كتبت، خاصّة قصيدتك في حُبّ شفاعمرو مَسقط رأسِكِ، إلّا أنّ عدمَ إجادتِكِ لعروض الشعر لا تعني أنّكِ فقدتِ أفكارَكِ التربويّة ومَضامينَ قصائدِكِ التعليميّة. كذلك معظمُ قصصِكِ مُستوحاةٌ مِن عالم الواقع الذي تعيشينَهُ، والذي يَعيشُهُ أطفالنا في شفاعمرو وفي مُختلفِ قرانا ومُدنِنا العربيّة. إنّ سببَ نجاحِكِ في هذا الباب هو مُعاشرتُكِ للأطفال، وحُبّكِ الذي لا يعرفُ الحدودَ لهم، فأنتِ أوّلًا وقبلَ كلّ شيءٍ أمّ، وعاطفة الأمومةِ تَشدُّكِ أبدًا كي تبدعي لأحبابنا الصغار. أخيرًا، يجبُ ألّا يغيبَ عن بالِنا أن كاتبتنا اعتمدت العنصرَ الغنائيّ والجرْسَ الموسيقيّ الجميلَ في أشعارها، فجاء ما أبدعَتْهُ قريبًا مِن عالم الأطفال، فلكِ الحياة!
مداخلةُ نبيل عودة/ جمال عالم الطفولة بتجربة الأديبة عايدة خطيب: الأديبة عايدة خطيب من مدينة شفاعمرو، وهي كاتبة معروفة للأطفال وشاعرة، لها عشراتُ الإصداراتِ الأدبيّةِ للكبار والصّغار، واليومَ نلتقي بمناسبةٍ هامّةٍ أعتبرُها علامةً مميّزةً لمَسارٍ ثقافيٍّ هامّ، في تكريم الأدباء وهم أحياء، وعدم تجاهُلِ المُبدعاتِ مِن النساء وإنتاجهم الأدبيّ.
في السّنواتِ الأخيرةِ ألاحظُ أنّ المرأةَ تأخذ حيّزًا يَتزايدُ باستمرارٍ في المشهدِ الأدبيّ العربيّ داخلَ (إسرائيل)، وللأسفِ هناكَ عوائقُ كثيرةٌ تُشكّلُ الكثيرَ مِنَ العواملِ السّلبيّةِ على تطوُّرِ ثقافتِنا بمُجملِها مِن: *مشكلةِ النّشرِ والتّوزيع. *مشكلة غياب الصّحافةِ الثقافيّةِ، فهناك محاولاتٌ آملُ أن تنجحَ، وأن نرى مجلّةً ثقافيّةً فكريّة، كما كانت مجلة "الجديد" في وقتها. *مشكلة غياب نسبيّ كبير للصفحاتِ الثقافيّة مِن الصّحفِ المَطبوعة. *مشكلة مؤسّساتِ الجماهيرِ العربيّةِ بكلّ أنواعِها وتشكيلاتِها، لا تُقدّمُ لتطويرِ الحياةِ الثقافيّةِ أيَّ دعم، وغير ذلك الكثير.
تعرّفتُ على عايدة خطيب عبرَ نشاطِها الثقافيّ، وبالتحديد بكتاب "أشعار للأطفال" الذي وقعَ تحت يديّ بالصدفة، فشدّني بروحِهِ وصورِهِ الشّعريّة التي نقلتني لعالم الطفولةِ المُذهل بجَمالِهِ الرائع، برونقِهِ وألوانِهِ، وكان أوّلُ كتاب مَحلّيٍّ للأطفال أقرؤُهُ، ليسَ قصورًا منّي، إنّما لم أجدْ ما يَشدُّني ضمنَ مَشاغلي الكثيرة لأتعرّفَ على هذا الجانرَ الأدبيّ، الذي لا أُقلّلُ مِن أهمّيّتِهِ وقيمتِهِ الإنسانيّةِ والجَماليّةِ لتطوير وعي أطفالِنا. في السنواتِ الأخيرةِ تعرّفتُ على إبداعاتِ كُتّاب آخرين، وأستطيعُ القولَ إنّ الكتابة للأطفال أصبحتْ ساحةً مُخترَقة مِن عددٍ كبيرٍ مِن الأسماء، بعضُها رائعٌ، وبعضُها لا يخدمُ الهدفَ مِن الكتابةِ للأطفال. هل التّهافتُ على الكتابةِ للأطفال الذي تشهدُهُ ثقافتُنا العربيّةُ داخلَ (إسرائيل) هو تهافتٌ طبيعيّ، أم يُخفي وراءَهُ أهدافا لا تخصُّ النشاط الثقافيَّ، ولا مُتطلباتِ تطويرِ أجندةٍ تخصُّ عالمَ الطفولة؟ أقولُ بوضوح، ما عدا قصص قليلة ولأسماء قليلة جدّا مِن كُتّاب الأطفال، لم أجدْ إلّا كتاباتٍ تتراوحُ بينَ الإجادةِ والإجادة المتوسّطةِ مِن جهةٍ، والثرثرةِ المُؤسِفةِ والمُضِرّةِ مِن الجهةِ الأخرى.
بعضُ المميّزات لدى الأديبة عايدة خطيب في تناولها لعالم الطفل، وهو عالمٌ مُركّبٌ جدّا وآسِرٌ بجَمالِهِ، تتحكّمُ فيهِ أجملُ المشاعرِ الإنسانيّةِ وأكثرُها براءةً ونقاءً. اقولُ بثقةٍ ووضوح أنّ عايدة خطيب فاجأتْني، وأعادتني طفلًا وأنا أقرأ أوّلَ كتاب لها "أشعار للأطفال"، وقد لاحظتُ أنّها تعملُ بلا كللٍ على تطوير تجربتِها في الكتابةِ القصصيّة والشّعريّةِ للأطفال، وقد أصدرتْ حتى اليوم أكثرَ مِن أربعين قصّة وديوانَ شعرٍ يخصّ الأطفال، فالمميّز الهامُّ لديها هو قدرتها على الدخول إلى عالم الطفل وتفكيرِهِ وردودِ فِعلِهِ، حيث استطاعتْ أن تحافظ على رونق عالم الطفولة، مثلًا في قصيدتِها "أحِبُّ اللعبَ بالكبريت" نقرأ: "أحِبُّ أن ألعبَ/ بعلبةِ الكبريتِ/ فتفزعُ أمّي/ تصيحُ يا عفريت/ كم لاعبٍ بالنّارِ/ أحرقَ كلَّ الدّارِ/ وحينما تذهبُ/ أمّي إلى المطبخ/ لتطبخَ الطّعامَ/ وتُشعلَ الكبريتَ/ أعدو وراءَها وأصيحُ/ يا عفريته..."
مَن مِنّا لم يَعِشْ هذه القدرة الطفوليّة على الربط بينَ الظواهرِ وليسَ بينَ المضمون؟! مِن هنا يَنبعُ جَمالُ عالم الطفولةِ الذي عرفتْ عايدة أن تتسلّلَ إليه وتنقلهُ لنا. لغة عايدة تتميّزُ بالبساطةِ والسهولة، وتُضفي لونًا إضافيّا على النّصّ ما هو أهمُّ مِن اللغةِ، هو القدرة على دخول عالم الطفولةِ المسحورِ والأسطوريّ، والكشف عن نموّ شخصيّةِ الطفل وتكوينِها. إنّ أسلوبَ اكتشافِ الأطفال لذواتهم، لواقعِهم وإدراكِهم لعالمِهم ليسَ أمرًا سهلا. في قصيدة "أحبّكم أن تسمعوني" تقتربُ أكثرَ للتفكيرِ الطفوليّ: "حينَ تموءُ قطّتي/ وتطلبُ الطعام/ أنهَرُها بشدّةٍ/ فنحنُ في الصّيام".
في قصيدةٍ مُوجّهةٍ بالأساس للأهل، عبرَ الرؤيةِ بعينيْ طفلة، وكأنّي بها تُوبّخُ الكبارَ، خاصّةً بموضوع التفضيلِ الّذي يحظى بهِ المولودُ الذكرُ عن المولودة الأنثى، في قصيدتها "لماذا أمّي حزينة"، تمسّ عايدة قلبَ المشكلة بكلماتٍ تنغرزُ في القلب بألم: "يظلّ فكري حائرًا/ أيّامًا كثيرة/ فأمّي تبدو دائمًا/ تعيسةً حزينة/ لأنّ أمّي أنجبتْ/ أختي أمينة/ ولا أخٌ في بيتِنا/ ونشتهي البنينا".
أعترفُ أنّ أدبَ الأطفال بدأ يَشدُّني منذ قرأت "أشعار للأطفال " للأديبة عايدة خطيب، حيث اكتشفتُ الكثيرَ مِن الأفكارِ والعُمقِ الإنسانيّ الذي بدأنا نفتقدُهُ في عالم "الشاشات الإلكترونيّة"، والتي تملأ كلَّ زوايا بيوتِنا. في بعضِ ما يكتبُهُ الكبارُ للصغارِ بدأتُ ألمَسُ تطوُّرَ "النصِّ الإلكترونيّ"، ضجيجٌ لا يقولُ شيئا، ربّما لغويًّا لا بأسَ بالنّصّ، لكنّهُ خطابٌ لا يَصِلُ للعنوان الصحيح. على عكس ذلك عايدة خطيب، نجحتْ بنقلِ عالم الطفولةِ بتوهُّجِهِ، فالموضوعُ ليسَ لغة فقط، مع أهمّيّةِ اللغةِ والمُفرداتِ التي نختارُها لمخاطبةِ الطفل، إنّما النّجاحُ بتقمُّصِ تفكيرِ الطفلِ السّاحرِ والأسطوريّ، ولنحلم بلا خجلٍ كالأطفال، ربّما عندها نستطيعُ أن نحلمَ كالكبار، فبدون أن نحلمَ لا معنى لكتاباتِنا. الكتابة في جوهرها هي العلاقة بين الحلم والواقع. أتمنى لعايدة خطيب أن تُواصلَ الحلم مع الأطفال، وتمنحنا كبار وصغارا لحظاتٍ من الجمال والمتعة.
في ديوانها الشعري للكبار "أحلام مؤجّلة" لديّ بعضُ ملاحظات، إذ شعرَتْ أنّها لم تعُدْ بحاجةٍ لقدراتِها الخاصّةِ في اختراق عالم الطفولة، فهي تنشدُ لعالم تعيشُهُ بصعودِهِ وهبوطِهِ، بأملِهِ ويأسِهِ، ببؤسِهِ وفرحِهِ، فتلاشتْ مِن الديوان الكثيرُ مِن الأحلام أو أنّها أجّلتها، كما أعلنت بالاسم الذي أطلقته على مجموعتها الشعريّة للكبار "أحلام مؤجّلة"، وهل تُؤجَّلُ الأحلام؟ هل نؤجّلُ الشعر الذي كلّه أحلام؟ وماذا ينفعُ الشّعرُ للإنسان إذا صارَ قدَرِيًّا؟ فما بالكِ تتعثرين؟ الشّعرُ لا يعرفُ التّردّدَ، والحياةُ لا تعرفُ التّردّدَ، فالحياة لمَنْ يُروّضُها كذلك الشعر. رغم ذلك، في قصائدِها للكبار ظلّتْ تحملُ تأثّرًا واضحًا مِن قصائدِها للصغار. مِن هنا جاءت بعضُ التعابيرِ نثريّةً مباشرة، كان بإمكانِها أن تلجأ للشفافيّةِ أكثرَ، وأن تتركَنا نحن الكبار نجتهدُ لنفهمَ ما وراءَ الكلام، ألستِ تقولينَ في "خمائل وجدانيّة": "اِتّسِعي ما شئتِ/ بل عانقي الغمامَ/ إنْ أردتِ".
في الديوانِ عددٌ مِن القصائدِ العامّيّةِ، أعتقدُ أنّها أكثرُ حرارةً وحركةً وتمرُّدًا، لاقترابها أكثر مِن البساطة كما في قصيدةِ اعتراف: "وشَعْري على كتافي/ ربّيتُه إِلِك"، وهي قصيدةٌ تكادُ تكونُ وحدةً متكاملة، حتى وجدت صعوبة في اقتطاع مقاطع للدلالة عليها. أشير إلى قدراتِ عايدة على الصياغةِ اللغويّةِ المُنسابةِ بهدوء واطمئنان، وقدرتِها على الاستعارة وحتى النّحتِ باللغة. تتميّزُ بعضُ مقاطعِها بما يسمى "اللغة التصويريّة"، لكن أكثرَ ما لاحظته هو خيطٌ رفيعٌ مِن الحزن لا ينقطع، يُرافقُ القارئ مِن بداية الديوان وحتى نهايته، بحيث يبدو الفرحُ في بعض القصائد كإعلانٍ للتمرّدِ الذي سرعان ما يذوي وراءَ الحزن المتواصلِ في الديوان. بعضُ القصائدِ زخرت بالشعاراتيّة، وهو حقا موقفٌ صادقٌ لكنّه لا يَخدمُ الشّعرَ. أمّا المميّزُ لأكثريّةِ قصائد الديوان فهو انسيابُها الهادئُ الخجولُ أحيانا، ربّما "الطفلة" عايدة تشعرُ بارتباكٍ عندَ مُخاطبةِ الكبار، ومِن المُثير معرفة نفسيّةِ الشاعرة في الحالتيْن. وكما كتبت عايدة على الغلاف الأخير: "يحقّ لنا أن نُسافرَ بأحلامنا".. وبشِعرنا أيضًا، فهو هُويّتنا وهو "حكم القدر، إذا وُجدَ مثلُ هذا الشيء!

شريف سمحان يستعيد: أيلول الأسود

رام الله المحتلة
صدر مؤخرا عن جمعية الزيزفونة لتنمية ثقافة الطفل في رام الله سردية "أيلول الأسود" للكاتب الفلسطيني شريف سمحان، ويقع الكتاب في (64) صفحة من القطع المتوسط، وقامت الفنانة الفلسطينية بتصميم الغلاف ، وكتب أ. فراس حج محمد مقدمته.
ويستهدف الكاتب سمحان في هذا الكتاب فئة اليافعين من القراء، موظفا ما تختزنه الذاكرة عن مرحلة السبعينيات، حيث أيلول الأسود، وما تم فيه من أحداث بين الفلسطينيين من أتباع المنظمات الفلسطينية والجيش الأردني، مع أن الكاتب يعود إلى ما يقارب العقد من الزمن قبل تلك الأحداث، عبر سلسلة من السرد الحر المتتابع في زمن أحداثه.
وأشار أ. فراس حج محمد في مقدمة الكتاب إلى أن الكاتب في هذه السردية "بدا معبرا عن التجربة، رافضا لما حدث على طريقته الخاصة دون أن يكون طرفا فيها. استدرك نفسه بحيادية مشوبة بالحذر."
وسبق للكاتب أن أصدر مجموعتين قصصيتين وهما "المختار و"المهابيل"، وكتابين في النصوص والقصة القصيرة جدا وهما "نقوش في الذاكرة" و"شيء ما".

كروية الأرض حقيقة راسخة رغم اعتراض مغنٍ أمريكي

ميليسا هوغنبوم صحفية علمية
بي بي سي
  قبل أن يدور أحد الرحالة حول هذا الكون بفترة طويلة، أو يذهب أحد إلى الفضاء، كان اليونانيون القدماء قد اكتشفوا أن الأرض كروية الشكل، وليست مسطحة.

يحاول مغني الراب الأمريكي الشهير، بوبي راي سيمونس، واسمه الفني "بي أو بي"، جاهدا أن يقنع متابعيه على موقع تويتر أن الأرض مسطحة وليست كروية.

كيف تبدو المسافة منبسطة بين نقطتين تبعدان عن بعضهما 16 ميلا في صورة ما، هكذا تساءل "بي أو بي"، الذي كتب على حسابه على موقع تويتر يقول: "أين المنحنى؟ رجاء فسروا ذلك."

وقد انهالت بعدها تغريدات عديدة تطرح أسئلة مشابهة، ردا على ذلك السؤال الذي طرحه "بي أو بي".

وقد حاول العديد من الناس مناقشته في ذلك الأمر، رافضين ما يقوله، ومنهم عالم الفيزياء الفلكية نيل ديغراس تايسون. لكن يبدو أن "بي أو بي" لم يغير رأيه.

نحن عادة في موقع "بي بي سي إيرث" لا نلقي وزنا لنظريات المؤامرة، لكننا لا نستطيع أن ندع هذا الأمر يمر هكذا.

فمن ناحية، يحمل موقعنا كلمة "إيرث" (الأرض) في اسمه، ومن ناحية أخرى نعتقد أن الأمر ينطوي على شيء من الفكاهة فيما يتعلق بمعرفة كيفية اكتشاف مثل هذه النظريات الكبرى عن الكون.

وتتكون هذه الصورة من سلسلة من الصور التي التقطتها كاميرا وكالة الفضاء الأمريكية ناسا من على متن أحد أقمارها القمر الصناعية التي ترصد أعماق الفضاء السحيقة.

ولم تشغل أي من هذه الصور بال المغني "بي أو بي" لأنه يزعم أيضا أن كل الصور التي تلتقطها وكالة ناسا للفضاء مزيفة.

ستكون لك وجهة نظرك الخاصة حول معقولية الأمر التالي، ولكن بغض النظر عن أي شيء، فكر في ذلك: لقد عرفنا أن الأرض مستديرة منذ فترة طويلة قبل أن نتقن السفر للفضاء.

فمنذ أكثر من 2,000 عام، فكر الفيلسوف اليوناني أرسطو في ذلك الأمر.

وفي كتابه بعنوان "في السموات"، كتب أرسطو: "مرة أخرى، توضح ملاحظاتنا للنجوم أن الأرض ليست فقط دائرية الشكل، ولكنها أيضا دائرة ليست ذات حجم عظيم. فمجرد تغيير بسيط في الموقع نحو الجنوب أو الشمال يؤدي إلى تغيير ظاهر للأفق."

وبمعنى آخر، أنت ترى مجموعات مختلفة من النجوم في السماء ليلا بناء على مكان وجودك أنت. فالسماء في نصف الكرة الشمالي ليست كما تبدو في نصف الكرة الجنوبي. وإذا كانت الأرض مسطحة، لتمكنا من رؤية نفس النجوم جميعها في أي وقت محدد، لكنا لا نتمكن من ذلك.

هناك مفكر يوناني أيضا وعالم في الرياضيات، ويدعى إراتوسثينس، والذي ذهب إلى أبعد من ذلك، وتمكن من قياس محيط كوكب الأرض.

واكتشف أنه في وقت الظهيرة في إحدى المدن المصرية تتعامد الشمس مباشرة فوق الرؤوس، بينما في مدينة أخرى، لم ترتفع الشمس عاليا بعد.

كان إراتوسثينس يعلم المسافة بين المدينتين، وقاس مدى ارتفاع الشمس في السماء في كل منهما في نفس الوقت، ثم استخدم بعض طرق حساب المثلثات. ومع أن طريقته كانت بدائية، إلا أن إجابته كانت في محلها.

إن حقيقة أن الأرض دائرية أصبحت من المعارف العامة، على الأقل بين المتعلمين وأصحاب الحجة القوية.

وفي الآونة الأخيرة، خرج بعض الناس في رحلات حول الكرة الأرضية، ومنهم الرحالة البرتغالي فيرديناند ماغلان الذي جاب الكرة الأرضية من عام 1519 وحتى عام 1522، في رحلته الشهيرة التي كانت ستصبح أكثر صعوبة إذا كانت الأرض مسطحة وذات حافة في نهايتها.

وحتى قبل ظهور ماغلان بفترة طويلة، كان من الواضح للبحارة الذين يدونون ملاحظاتهم أن الأرض كروية. فإذا أبحرت نحو شيء طويل، مثل جبل ما، فسترى قمة ذلك الجبل تظهر في الأفق قبل أن ترى بقية أجزاء الجبل.

بلدة رشدبين الكورانية كنائسها من العصور القديمة واشجار الصنوبر جعلتها مقصدا للسياح

تحقيق ميشالا ساسين
وطنية – 
رشدبين بلدة كورانية تقع على جبال الكورة الخضراء على ارتفاع 700 متر عن سطح البحر، تتميز بأشجار الصنوبر التي تزينها من كل جهة فلا يمكن ان تجول في شارع من شوارعها الا وتتمتع بجمال تلك الاشجار، يقصدها السياح من كل لبنان من اجل التمتع بطبيعتها الخلابة ومناخها الجميل واثارها التاريخية التي تعود الى العصور القديمة، وسكانها اتخذوا من اسمها شعارا لحياتهم فهم لا يستسلمون للصعاب.
التسمية
اسمتها الشعوب القديمة “راش دبو”، اي رأس الدب نظرا لموقعها على رأس الجبل، وجاءت هذه التسمية باللغة الارامية القديمة، اما في العصور الرومانية وما قبلها اي منذ 3000 سنة قبل الميلاد، فعرفت البلدة باسم “راش ديفينو” اي الجبل المقدس، ومع التقدم والتطور في الزمن اي قرابة 1200 سنة ميلادية عرفت ب “راش دابين” اي جبل الصنوبر، ولا تزال حتى ايامنا هذه الكثير من بقايا تللك الغابات.
الاثار
في بلدة رشدبين العديد من الاثار التي تدل على انها كانت آهلة بالسكان منذ اقدم العصور، فيها هيكلان يطلان على سهل الكورة ويطلق على احدها قصر الناووس. شيد هذان المعبدان في العصر الروماني وهما من اضخم الابنية في الجبل اللبناني، يحيط بالساحة الرئيسية لكل منها سور مستطيل بني بحجارة ضخمة، يبلغ طول بعضها حوالي ستة امتار، يخترقه مدخل كبير ذو جانبين مدرجين يساعدان في تدعيم جدار الواجهة. وتنتشر في ارجاء الساحتين بقايا من الاعمدة التي كانت تنتصب عند مدخل المعبدين، اضافة الى تيجان كورنثية دقيقة النقش ومعاصر حجرية كبيرة. كما يشاهد بين اطلال المعبد الشمالي- الغربي حجر كبير عليه نقش يمثل الاله البعل.
البئر الارتوازي
وأكد رئيس بلدية رشدبين المهندس بيار الخوري في حديث الى “الوكالة الوطنية للاعلام” ان “مشروع البئر الارتوازي هو بمثابة الحلم لكل رشدبين، وهو من اهم المتطلبات ويحل الكثير من مشاكل المياه في البلدة خاصة في فصل الصيف لان حصة البلدة لا تكفي سكانها والمشاكل والاعطال التي تطرأ على المضخة المخصصة لجر المياه، تؤدي الى شح والى قطع المياه ايام عدة عن الاهالي ومن هنا اصبح دق بئر مياه للبدة مشروع حلم.
أضاف: “وبالتعاون مع المدير العام للموارد المائية الدكتور فادي قمير قدمنا المشروع الى وزارة الطاقة والمياه ووصفنا اهميته بالنسبة للبلدة. وبعد اسبوعين من زيارة الوفد البلدي ارسلت لنا وزارة الطاقة – مديرية الموارد المائية كتابا الى البلدية وفيه الموافقة والترخيص لانشاء بئر ارتوازي على نفقة البلدية”، مؤكدا ان “البلدية اليوم حريصة على تنفيذ هذا المشروع في أسرع وقت بالتعاون مع عدد من المتمولين”.
طريق الضهر
واكد ان “بلدية رشدبين انتهت من دراسة مشروع طريق الضهر ايمانا منها بضرورة فتح جسور التواصل وايصال كل مواطن من رشدبين الى ارضه، وان هذا المشروع يساعد في تحسين وتوسيع وتعبيد طريق الضهر التي تعتبر حلم لدى العديد من العائلات في رشدبين”.
وقال: “لقد عملنا على حل كافة العقبات من اجل تنفيذ المشروع الذي يعيد الحياة الى قلب البلدة ونعد الاهالي بالانتهاء منه هذا العام”.
وعن طريق la pinede رشدبين، أوضح انه “مشروع مشترك بين بلدية رشدبين وبلدية كوسبا”، لافتا الى “موافقة اتحاد بلديات الكورة على الانتهاء من مشروع تحسين وتعبيد الطريق التي تصل الى بلدة رشدبين من منطقة كوسبا بالقرب من مطعم la pinede”، وقال: “حرصنا كبير على السرعة في تنفيذ هذا المشروع لما له من اهمية بفتح منفذ جديد للبلدة ويحسن نقطة الالتقاء بين بلدة كوسبا وبلدتنا”.
عائلاتها
بحسب رئيس البلدية تتنوع العائلات في بلدة رشدبين، ولكن اقدمها واكثرها انتشارا هي عائلة ديب ومن ثم عائلات: الخوري، شليطا، واسحق وشعنين. ويبلغ عدد سكانها حوالي 1600 نسمة حاليا، اضافة الى هجرة الكثير من العائلات الى دول الخارج، فالهجرة الاقدم كانت الى البرازيل والارجنتين، اما الهجرة الحديثة الى كندا وفنزويلا واستراليا والعديد من دول اوروبا، ونحن كبلدية نسعى دائما الى التواصل مع المغتربين لتنشيط التعاون فيما بينهم لما فيه من خير لقريتنا ومن اجل توثيق الرباط بينهم وبين الوطن، ونحثهم دائما على العودة الى ارض الاجداد واقامة الروابط”.
الكنائس
اما بالنسبة للكنائس، فأشار الى انه “في رشدبين العديد من الكنائس التي تعود الى العصور القديمة منها الى العهد الروماني ككنيسة السيدة التي بقي منها اثر بسيط وهي في قلب قصر الناووس، كنيسة سيدة الشير التي تعود تاريخيا الى عهد الاتراك والمماليك، وهي كانت عبارة عن مغارة طبيعية عمل فيها الانسان قبل اكتشافها وكانت مركز للجوء في عهد الاضطهاد العثماني، اضافة الى كنيسة مار سركيس وباخوس الحديثة العهد والتي بناها اهل البلدة ويعتبر جميع سكانها من الديانة المسيحية وخاصة من الطائفة المارونية تليها طائفة الروم الاورثوذكس”.
مشاريع المجلس البلدي
اما بالنسبة للمشاريع في رشدبين، فأكد انه ومنذ توليها مهامها رسميا في ايار 2012 تسعى البلدية الى اقامة عدد من المشاريع على حسابها الخاص ومن ابرز هذه المشاريع: تحسين، توسيع وتعبيد عدد من الطرق الرديئة التي تحتاج الى صيانة، وضع لوحات من الاوتوستراد الى داخل القرية باسم قلعة الناووس – رشدبين، انارة القلعة وتحصينها، اقامة احتفال سنوي في القلعة وحملات اعلانية، تحسين وضع الشوارع كرفع الدشم والاعشاب صيفا والثلوج شتاء، جمع النفايات ورش المبيدات، تحديث الملعب البلدي، قيام البلدية بتسمية شوارع البلدة مما يعطي طابعا جديدا اضافة الى اقامة العديد من المهرجانات في الصيف المقبل.

حالةٌ اقترانيّةٌ ما بينَ الرّجُلِ والخطأ/ آمال عوّاد رضوان



أقامَ نادي حيفا الثقافيّ والمجلسُ المِلّيُّ الوطنيُّ الأرثوذكسيُّ/ حيفا، واتّحادُ لكرمل للأدباء الفلسطينيّين، أمسيةً أدبيّة في قاعة كنيسة مار يوحنا الأرثوذكسيّة في حيفا، بتاريخ 16-1-2016، ووسط حضورٍ من الأدباء والقرّاء، احتفاءً بتوقيع المجموعةِ القصصيّة "الرّجُلُ الخطأ" للكاتبة حوّا بطواش، وقد أدارت الأمسية الكاتبة عدلة شدّاد خشيبون، وشاركَ بمداخلاتٍ حولَ الكتاب كلٌّ مِن: د. محمّد حمَد/ منظومة الفجوات في قصّة المقهى، وشادية حامد، ونعمان عبدالقادر/ صورة الرّجُل في قصّتيْ "الرجل الخطأ" و"أحلام كبيرة"، ولمياء أسدي، وفي نهايةِ اللقاء شكرت الكاتبة حوا بطواش الحضورَ والمُنظّمينَ والمُتحدّثين، وتمّ التقاطُ الصّور التذكاريّةِ أثناءَ توقيع الكتاب.
 مداخلة عدلة شداد خشيبون: بدايةً أُحيّي المحامي الأستاذ فؤاد نقّارة وعملَهُ الدّؤوبَ في هذا المجال، فلولاهُ لما كنّا هنا، فباقة شكرٍ لك ولسوزانك الغالية فراشة النّادي، مُكللّة بأعذب الأمنيات بالصّحة والسّعادة ودوام العطاء، ودمتما ذخرًا للأدب وللكلمة الطّيّبة وعنوانًا آخر للعطاء. يطيبُ لي في هذا المساء البارد جوًّا الدافئ قلبًا أن نجتمعَ، مِن أجل الكلمةِ والمعنى وما وراء معنى "الرّجل الخطأ" بطل أمسيتنا هذه اللّيلة، وعروس ندوتنا الكاتبة حوّا بطواش.
حوّا الفلسطينيّة شركسيّة الأصل، وُلدتْ في قرية كفر كما في الجليل الأسفل. تعلّمت الابتدائية في قريتِها، وأنهت الثّانويّة في مدرسةِ المطران في النّاصرة. حاصلة على لقب أوّل من جامعة حيفا في موضوعَيْ علم الاجتماع والتّربية. اللغة العربيّة تأتي كدرجةٍ ثالثةٍ في البيت بعد الشّركسيّة والعبريّة. بدأتْ تنشرُ قصصَها القصيرة في صحيفةِ "كلّ العرب" ومواقع إلكترونيّة أخرى. في جعبتِها العديدُ مِن قصصٍ تنتظرُ النّشر. "الرّجل الخطأ" مجموعةٌ قصصيّةٌ حلّقتْ بها إلى فضاءاتِ الفكر، وأخذتنا معها إلى قاع البحر، وتركتنا هناكَ نعومُ، ولا مللّ يأخذنا ولا ثِقلُ كلام. الإهداءُ كانَ مقتضبًا جدّا، لكنّه مُفعمٌ بالحنين والحبّ وعشق اللّغة فتقول: إلى روح جدّي الذي ما زال حيًّا في قلبي.
ما أروعَ وأعمقَ كلمة جدّي، وتداعياتُها جمّةٌ في قلب حوّا فتقول: لجدّي فضلٌ كبيرٌ على مطالعتي، فكنتُ أذهبُ إليه وأستعيرُ الكتب لأقرأها. كانَ إنسانًا يُشعُّ مِن نفسِهِ الطيّبةِ، مُفعَمًا بالرّقّة، مَسكونًا بالرّضا والسّلام الدّاخليّ، وكانَ لهُ وجهٌ بشوشٌ، مُشرقٌ بابتسامةٍ يَرتاحُ لها الوجدانُ، وكانتْ مكتبتُهُ جامعةً وشاملة. ما وراءَ الرّجُلِ الخطأ قد تكونُ مُفارقةٌ في عنوان هذهِ القصّة بالذّات، وقد تكونُ مقارنةٌ، وقد تكونُ جريمةٌ نحصدُ مِن عواقبها دوْمًا الكثيرَ، فهذهِ اللّيلةَ سنلبسُ معًا قبّعةَ الفخرِ والاعتزازِ لكاتبةٍ مغايرةٍ، تكتبُ عنّي وعنكَ وعنهم، تختصرُ كلَّ الضّمائرِ لنتوهَ معَها في خِضمّ الحكايات. وهل الخطأ هو مِن الأخطاءِ الّتي يُمكنُ أنْ نُصلحَها؟ هذا ما سنسمعُهُ مِن المداخلات.
مداخلة د. محمد حمد/ منظومةُ الفجواتِ في قصّةِ المَقهى: عندما ننتهي مِن قراءةِ نصٍّ، تبقى هناكَ فجواتٌ ناقصةٌ مثلَ النّهايةِ المفتوحةِ أو التّناصِ أو الرّمز، سنُشيرُ إلى بعضها في هذه المداخلة. عنوانُ الكتابِ لا شكّ أنّهُ يُشيرُ إلى مضمونٍ نسَويٍّ، وقد يتساءلُ الرّجالُ: ما هذهِ الحالةُ الاقترانيّةُ بينَ الرّجل وبين الخطأ، وبالتالي، لمجرّد أن يتساءلَ الرّجلُ هذا التّساؤلَ، لا بدّ أنّ هذهِ فجوةٌ بحدّ ذاتِها، خاصّةً وأنّ العنوانَ يُغيّبُ الجملة، أي لا يوجدُ هناكَ مبنى جُملةٍ ولا فِعل، والرّجُلُ المُعرَّفُ كأنّهُ حاضرٌ في وعي الكاتبة، على اعتبار أنّ مفهومَ العنونةِ هو مفهومٌ نقديٌّ للعمل الأدبيّ، أي أنّ الكاتبَ يكتبُ نصوصَهُ، وبعدَ أن ينتهي مِن كتابةِ النّصوص، يضعُ العناوينَ ويختارُ عنوانَ المَجموعة، عمليًّا، هو لا يمارسُ سُلطة الكاتب، بل يُمارسُ سُلطة الناقد. ولذلك، فإنّ اختيارَ العناوينِ هو عمليّةٌ بوعيٍ، وعبارةً عن تسميةٍ بوعي.
سنشيرُ غلى هذا الموضوع عبْرَ قصّة "المقهى"، عندما نشيرُ إلى الرّجل الخطأ، وهذا الموقفُ عمليًّا من الخطأ يقودُ أيضًا إلى الوظيفةِ الإغرائيّةِ الإيحائيّةِ في العنوان. أعتبرُ أنّ العنوانَ تأويليٌّ في هذهِ الحالة، ويُشيرُ إلى أنّ الكاتبَ لهُ موقفٌ مِن الرّجلِ في هذه الحالة.
قد نتساءلُ: عندما نقرأ عن "الرجل الخطأ"، هل نتحدّثُ عن منظورِ الكاتبةِ أم عن منظورِ الرّاوية؟ والرّاويةُ ليسَ بالضّرورةِ أن تكونَ الكاتبة. وفي قصّةِ "المقهى" نجدُ أنّ الصّوتَ، على الأقلّ في النّصفِ الثاني مِن القصّة، بالضّرورةِ هو ليسَ صوتَ الكاتبة، وإنّما صوتٌ آخر. هل هوَ صوتُ رَجل، ويَستحيلُ أن يَكونَ في هذه الحالةِ هذا التّماهي؟ أم هو صوتُ الشّخصيّةِ التي تُقيِّمُ هذا العنوانَ وتُشير إليهِ، وبالتالي، هناكَ إمكانيّاتٌ مختلفة؟ ما هو المنظورُ الذي يَقفُ وراءَ هذهِ المَقولة، وبالتالي فهي فجوة، وما دُمنا نسألُ فهيَ فجوة. 
عندما نتحدّثُ عن قصّةِ "المقهى"، فالمقهى كما نعرفُ هو فضاءٌ عامّ، ويَذهبُ النّاسُ إلى المقاهي مِن أجل الالتقاءِ بأصدقائِهم والحديثِ معهم. المقهى له دلالةٌ تواصليّة.
حِبكةُ القصّةِ تَدورُ أنّ الرّاوية تدخلُ، وهناكَ في داخلِ المقهى تَنظرُ إلى شابّ يلبسُ بدلةً رياضيّة، وله عينان رماديّتان. تستغربُ وتتمعّنُ في هذه الشّخصيّةِ التي قد تُذكّرُها بأحدٍ ما، وبعدَ قليلٍ يَحضرُ رجلٌ في الخمسين مِن عمرِهِ، يُشبهُ إلى حدٍّ كبيرٍ هذا الشابّ، يلبسُ أيضًا بدلةً رياضيّة ولهُ عينانِ رماديّتان. وتتذكّرُ أنّ هذا الرّجلَ كانَ مَحطّ آمالِها، عندما كانتْ في السّابعةِ عشرة مِن عمرِها، فكانَ ابنُ الحارةِ، وكانتْ دائمًا تنظرُ إليهِ وتحتارُ في نظراتِهِ. يبدو أنّها كانتْ تُحبّهُ، ولكن لم تتحدّث، وتُغادرُ المَقهى، وينتهي هذا الصّوتُ؛ صوتُ الرّاوية الذي كانَ يتحدّثُ عن هذه الأحداث.
في المقطع الثاني يتحدّثُ الرّجلُ، بأنّ تلكَ المرأةَ الّتي كانتْ تجلسُ في المقهى، في الزاوية اليُسرى البعيدة، تُشبهُ الفتاةَ التي كانَ يُحبُّها ودائمًا يُفكّرُ بها، ويُحاولُ أنْ يُوصِلَ رسالةً مُعيّنةً إليها، وبالتالي، فهو يَسألُ النّادلَ عنها، فيقول لهُ إنّها تأتي إلى المقهى أحيانًا، وتجلسُ في هذهِ الزّاوية، فيَجلسُ في الزاويةِ اليمنى مِن المقهى وينتظرُ، ولا تأتي، لكنّه يتحدّثُ عن علاقةٍ كانتْ مع فرنسيّةٍ اسمُها إميلي، وهو الاسمُ الوحيدُ المَذكور. يتحدّثُ أنّها أنجبتْ لهُ هذا الشابَّ وانفصلَ عنها، فهو الآن مُطلّق ودونَ ارتباطٍ بإمرأةٍ أخرى، وكم تمنّى لو كان هناكَ بديلٌ لهذهِ المرأة. وعندما يَخرجُ، يلتقي مع الراويةِ الحبيبةِ الأولى، ويَنظرُ إليها وتنظرُ إليه، ويَسيرُ كلٌّ منهما في طريقِهِ دونَ أنْ يَتكلّم. سأقرأ بعضَ مَقاطع تُجسِّدُ بعضَ المفاهيم ص69:
تتحدّثُ عن الشّابّ وتسألُ: أينَ رأيتُ هاتيْنِ العينيْنِ الرّماديّتيْنِ السّاحرتيْن؟. المقطعُ الكاملُ مِن القصّة: (شعرتُ وأنا أتتبّعُ حرَكاتِهِ بفضولٍ، بأنّني رأيتُهُ في مكانٍ ما، في زمانٍ ما، قبلَ هذا اليوم. صوّبتُ نحوَهُ نظرةً طويلة. أينَ رأيتُ هاتيْنِ العينينِ الرّماديّتيْنِ السّاحرتيْن؟ لكنّ الشّابّ صغيرٌ، ويبدو أنّهُ ما يَزالُ في العشرينَ ربيعًا، فكيف لي أنْ أراهُ في مكانٍ ما، في زمانٍ ما، أنا المرأةُ الخمَسينيّة، العانسُ الجبانة التي لم تبادر يوما رجلا بالكلام؟)
وعن الوالد: أكادُ لا أصدّقُ أنّهُ هو. عيناهُ الرّماديّتان ما تزالان تحتفظان ببريقِهما الخلّاب رغم مرور السنين. المقطع كاملا مِن القصّة: (اختلستُ النظرَ إليه، أكادُ لا أصدّق أنه هو. عيناهُ الرّماديّتان ما تزالان تحتفظان ببريقِهما الخلاب، رغمَ مرورِ السّنين، شعرُهُ الأسودُ المُتموّجُ باتَ مَشوبًا بالرّماديّ، جسمُهُ الطويلُ والقويُّ باتَ يَميلُ إلى الامتلاء.. وفجأة، التفتَ إليّ، لمَحَني، توقّفتْ نظرتُهُ عندي، نظرةٌ فضوليّة. أتراه يذكرُ؟ ابتسمتُ لنفسي: وماذا تريدين أن يَذكرَ؟ نظرة أم ابتسامة أم سلاما؟ أيّتها الجبانة الحمقاء! لم تتغيّري. ما زلتِ تعيشينَ في أوهامِكِ. لا بدّ أنّهُ كانَ مشغولا بنفسِهِ طوالَ هذه السّنوات، وها هو الآن مشغولٌ بوَلدِهِ. ترى، مَن تكونُ زوجتُه؟ أهي مِن هنا أم من بعيد؟)
ويتحدّثُ بصوتِهِ عن خلفيّةِ السّماء الخريفيّةِ التي غطّتها سحبٌ رماديّةٌ حائمة حيرى. (المقطعُ مِن القصّة: كان المقهى على ارتفاع مِن المدينة، يُطلُّ على شاطئ البحرِ الجميل، حيث الأمواجُ تكسّرتْ وتراجعتْ إلى الوراء خجلى، مُتناهية، على خلفيّةِ السّماءِ الخريفيّةِ التي غطّتها سُحبٌ رماديّة، حائمة، حيرى. جلستُ في الزاويةِ اليمنى البعيدة، وحيدًا، حائرًا، أنتظرُ.. علّها تأتي.)
ما دلالةُ الرّماديّ؟ لوحة الغلافِ الخارجيّ باللون الرّماديّ. بالصّدفةِ شاهدتُ الليلة فيلمًا سينمائيًّا عن روايةِ "الظلال الخمسون للرّمادي"، والرّماديّ في الفيلم هو أيضًا اسمُ شخص، وفي هذه الظلال الخمسين يعيشُ هذا الرّجلُ حالة مُعيّنة مع المرأة، يقومُ بتصميمِها بشكل مُعيّن. ما هذه الحالة بما نراه؟ حتى لو نظرنا إلى اللون الرّماديّ البارز، وإلى صورةِ الرّجل الذي يلبسُ الأسودَ ولا نرى وجهَه، ويَمشي في الجليدِ والثلوج والضباب، فهل هو مكسورٌ؟ ضائعٌ؟ مسكينٌ؟ يَسيرُ إلى غير هدى؟ لماذا لا نرى وجهَه؟ هل يخجلُ بوجهه؟ لو حاولنا الانتباهَ إلى الأدوارِ التي رُسمَت في هذه القصّة، نجدُ أنّ الرّجلَ على المستوى الأوّل قد نجح في العلاقة مع الرجل مع الابن، وقامَ بإمكانيّة نقل الصفاتِ الوراثيّةِ والخاصّةِ بهِ إلى ابنه، ويلبسُ بدلة رياضيّة، والابنُ مثله أيضًا يلبسُ بدلة رياضيّة، وعيناهُ رماديّتان،  ونشيط وحيويّ، وهناكَ نجاحٌ بالنسبة للعلاقةِ بين أعضاء المؤسّسةِ الذكورية، لكنّ الخللَ هو بينَهُ وبين إميلي، وبينهُ وبينَ الرّاوية التي كانتْ هي المحبوبة. كلاهما، لم ينجحا في إقامةِ علاقةٍ وتواصُل.
الأحداث تجري في المقهى، لكن نعودُ إلى الاسترجاع الفنّيّ ونسمعُ صوتَ الرّجُلِ باسترجاع فنّيّ، ونكتشفُ أنّ الفتاةَ هي الرّاوية التي سمّتْ نفسَها العانس، والتي يزيدُ عمرُها عن الخمسين. الأسماءُ غيرُ مذكورة، وهنالكَ ذكرٌ للأرقام، كتسميةِ المقاطع بأرقام، والتركيز على العمر يعني المفاهيمَ الكمّيّة، والمفاهيمُ الرياضيّة هي الواجهة  التي مِن خلالها تُحاولُ الشخصيّاتُ التعبيرَ عن المشاعرِ وأزمةِ نهايةِ العمر، وعن الأحاسيس. المفاهيمُ الكمّيّة هي نوعٌ مِن التعبير عن الحالةِ العبثيّةِ التي يعيشُها الإنسانُ في هذا العصر، بحيث إنّهُ مُجرّدُ رقمٍ ليسَ لهُ اسمٌ، فالأسماءُ هنا غيرُ حاضرةٍ، والاسمُ الحاضرُ هو فقط اسمٌ أجنبيٌّ بعيدٌ عنّا، لا يُوحي بشيءٍ، لكن يُشيرُ إلى الغربةِ والاغترابِ والإخفاق، عندما نُقيمُ علاقةً معَ طرفٍ لا ينتمي بصِلةٍ إلى هُويّتِنا وإلى أصالتِنا، فبالتالي سيكونُ هنالِكَ فشلٌ.
ما أهمّيّةُ هذينِ الصّوتيْنِ في القصّةِ؟ هنالِكَ نوعٌ مِنَ الرّواياتِ يُسمّى الرّوايةُ البوليفونيّةُ، وهي روايةٌ متعدّدةُ الأصوات، فمثلًا كتبَ مِن هذا النّوع: جبرا إبراهيم جبرا في رواية "السفينة"، ونجيب محفوظ في رواية "ميرامار". ما الّذي يَحدُثُ في مِثل هذا النّوعِ مِنَ النّصّ؟ وما أهمّيّةُ هذا الشكلِ مِن أشكالِ السّرد؟
هذا شكلٌ مِن أشكالِ الحداثةِ، فالرّوايةُ التّجريبيّةُ حاولتْ أنْ تتخطّى المفهومَ التقليديّ، وحاولتْ كتابةَ روايةٍ تتبنّى ما يُسمّى التّجريبَ الفنّيّ على أشكالٍ مُختلفةٍ، ومِن هذهِ الأشكالِ روايةُ تعدُّدِ الأصواتِ، وفيها نتخيّلُ أنّنا نتحدّثُ عن حفلٍ، ونتخيّلُ أستاذًا ما يكتبُ انطباعاتِهِ عن هذا الحفل، وبعدَ ذلكَ يكتبُ هذا الأستاذُ وكلُّ واحدٍ مِن الحاضرينَ عن الحفل أيضًا، فهذا يَعني عمليًّا، أنّ الحفلَ هو واحدٌ، لكن كلُّ واحدٍ مِنَ السّاردينَ يَسردُ سرْدَهُ الخاصَّ بهِ، وهذا طبعًا جميلٌ، لكي نُحاولَ أنْ نستبطنَ داخلَ الشّخصيّاتِ، ونفهمَ الحدَثَ مِن وُجهاتِ نظرٍ مُختلفةٍ، وهذا  فيهِ نوعٌ مِنَ التّبئيرِ ومِنَ التّعميقِ لفهْمِنا للحدَثِ، وهي فرصةٌ لأنْ نفهَمَ مَعالمَ الشّخصيّاتِ، وكيفَ تقومُ الشّخصيّاتُ بإسماعِ صوْتِها الدّاخليّ، وهذا الصّوتُ لا يُمكنُ أنْ نَصِلَ إليهِ مِن خلالِ السّاردِ الخارجيّ، لأنّ السّاردَ الخارجيَّ هو ساردٌ واحدٌ.
لو أردنا إجمالَ منظومةِ الفجَواتِ في هذهِ القصّةِ، سنجدُ أنّ الترميزَ بالنّسبةِ للأسماءِ وعدمِ طرْحِها هو فجوةٌ تبقى عندَ القارئ، وأنّ السّردَ بصوْتيْنِ مُختلفيْنِ هو فجوةٌ تبقى عندَ القارئ، وأنّ اللّونَ الرّماديَّ يُشيرُ إلى الظلِّ وما يَحدثُ في الظلّ، في المساحةِ البينيّةِ في المنزلةِ بينَ المنزلتيْنِ، وهذا فيهِ نوعٌ مِنَ الاستشرافِ الفنّيّ لنهايةِ القصّة. انتبهوا كيف تنتهي: (عندما وصلتُ، رأيتُها، كانتْ في طريقِها إلى المقهى. خطتْ نحوي مُقتربةً، وحينَ رأتْني توقّفت، تجمّدتْ في مكانِها وجمُدْتُ في مَكاني، وأمتارٌ قليلةٌ تقفُ بينَنا.. والصّمت. نظرَتْ إليّ بعينيْنِ مُندهشتيْنِ، ونظرتُ إليها مُتفاجئًا بها، أُحِسُّ بخفقاتِ قلبي المُسرعةِ، ونفسي المُضطربةِ، وجفافِ حلقي. لم تقُلْ شيئًا، ولم أقُلْ شيئًا. وبعدَ لحظتيْن، أرْختْ نظرَتَها وراحتْ في حالِ سبيلِها.)        هكذا انتهتِ القصّةُ بشكلٍ رماديٍّ فيهِ إخفاقٌ، فلم يَسمعْ صوْتَها ولم تسمعْ صوْتَهُ، لكنّنا كقرّاءٍ سمعنا الصّوْتيْنِ، وهذه طبعًا هي روعةُ استخدامِ مثل هذا الأسلوب الفنّيّ. نتمنّى للكاتبةِ مزيدًا مِنَ النّجاح، واستثمارِ مثلِ هذهِ التقنيّاتِ الأسلوبيّةَ الّتي تُقيمُ فجوةً بينَ القارئِ وبينَ النصّ، وتُحاولُ أنْ تُعمّق أعمالَها الأدبيّة القادمة.
مداخلة لمياء أسدي: هناكَ دوافعُ جعلتْني أنتقي المجموعةَ القصصيّةَ للكاتبة حواء بطواش في دراستي الأكاديميّةِ، لنيلِ اللّقبِ الثاني وهي شتّى:
أوّلا: أنا ممّن يَدعمونَ الأدبَ المَحلّيَّ بشدّةٍ وفي هذا المِضمارِ، فلي رأيي الخاصّ والذي مِحورُهُ كالآتي:  نحنُ نحظى بكوكبةٍ مِنَ الرّوائيّينَ والقصصيّينَ البارعينَ في حياكةِ ونسْجِ القصّةِ، فلماذا لا نقرأ لهم؟ لماذا لا نُقدّمُ لهم الدّعمَ المَعنويَّ والمادّيَّ أيضًا إذا ما اقتدَرْنا؟ لماذا لا نَسمو بهم عاليًا، ونجعلُهُم نجومًا تتألّقُ في سماءِ الأدب؟ ها هي الكاتبة المَحلّيّة حواء بطواش تخُطّ بأناملِها وجعَ المرأةِ، وجرحَ الوطن، وتسرُدُ لنا أحداثًا عديدةً تستمِدُّها مِن واقعِنا وتاريخنا، أفليسَ جديرٌ بنا مُؤازرةَ هذهِ الأقلام وإغاثتِها، حتّى ترفرفَ باسقةً في أرجاءِ العالمِ العربيّ؟ جميعُنا يُشيدُ بما أوْرَثَهُ العالمُ العربيُّ مِن فنّ القصصِ والرّواية، وفي جميع الأقطارِ العربيّةِ، لكن، حتمًا هناكَ مَن يَعيشونَ ويَقتاتونَ بيننا، ويَحتاجونَ لأنْ نمُدَّ لهم يدَ العوْنِ، فمِنْ مِنظاري الشخصيّ، مَن يَنقشُ الحرفَ والكلمةَ ببراعةِ شخصٍ رضعَ نكبَتَهُ بكلِّ صبْرٍ وعناء، فيقينًا، لو شاءَ قُرّاءُ شعبِهِ، لجَعلوهُ يقطعُ عنانَ السّماءِ، ويَسبحُ في فلكٍ شاسعٍ معَ صفوةِ الأدباء.
مِن جهةٍ ثانيةٍ، استحوذَ على ذاكرتي الأدبُ النّسائيُّ في الآونةِ الأخيرةِ، فبدأتُ أدعمُ وأُشَجّعُ الكتاباتِ النّسائيّةِ، وفي المجموعةِ القصصيّةِ "الرجل الخطأ"، نلحظُ بروزَ مُصطلحَيْن هامّيْنِ يَجدُرُ التّفريقُ بيْنَهما: الأدبُ النّسائيُّ والأدبُ النّسويُّ، فالأدبُ النّسائي الّذي اِتُّفِقَ عليهِ كمُصطلحٍ يُشيرُ إلى الأدبِ الّذي خطّتْهُ يدُ امرأةٍ، بينما مُصطلحُ الأدبِ النّسويّ الّذي يَتمُّ التَّطرّقُ فيهِ إلى موضوعِ المرأةِ، وطبعًا في "الرجل الخطأ"، الكاتبة حواء بطواش جَمَعتْ بيْنَ كليْهِما.
وهناكَ دافعٌ آخرُ، هو ندائي بإدراجِ وتضمينِ هذهِ القصص في منهاج اللغةِ العربيّةِ، وتعريفِ طلّابِنا إلى كتّابِنا المَحلّيّينَ، وعلى الألوانِ الأدبيّةِ والأساليبِ والطّروحاتِ الّتي تُميّزُهم عن غيرِهم مِنَ الكُتّابِ العربِ الآخرينَ في الأقاليمِ العربيّة. أمّا الدّافعُ الأخيرُ، فأساسُهُ انطلقَ مِنْ إعجابي الشّخصيِّ بكتابةِ حواء بطواش، وبأسلوبِها والقضايا والموضوعاتِ المَطروحةِ بنكهةٍ حيّةٍ لمُجتمعِنا، وتَعاصُرِهِ مع واقعِنا، وبجزالةِ ألفاظِها وتناغُمِ الكلماتِ، ولباقةِ نسْجِ الكلمةِ مع أختِها الكلمة، وتأبُّطِ الكلمةِ لأختِها الكلمةِ بسلاسةٍ ووُدّ.
اللغةُ العربيّةُ تُعتبَرُ اللغةُ الثالثةُ في السّلّمِ اللغويِّ لديها، إلّا أنّها أتحفتْ وأبهرتْ أذهانَنا بحكاياتِها، والتي تمحوَرَتْ حولَ صورةِ المرأةِ، فإذا ما أمعنّا النّظرَ وتمحّصْنا صورةَ المرأة، نرى تجلّياتِها تُشكّلُ موضوعًا هامًّا في جزءٍ وفيرٍ مِنَ القصصِ، وقدِ ارتأيْتُ أنْ أتناولَ بعضَ هذهِ الصّورِ في دراستي بالاستعراض والتّحليل، للأدوارِ الاجتماعيّةِ المُختلفةِ الّتي كانَ لها حضورٌ واضحٌ للمرأةِ: المرأةُ البنت (العزباء)، المرأةُ الأمّ، المرأةُ العانسُ، المرأةُ العاملة، وغيرها من الصور الأخرى.
قصّةُ "بنتٌ مِن هذا العالم"، تُمثّلُ البنتَ العزباءَ الواثقةَ المُجتهدةَ الطموحة، والّتي تمتلئُ بالحيويّة والنّشاط والشّباب، وتُخطّطُ مِن أجلِ تحقيقِ مستقبلٍ سَنيٍّ زاهرٍ، وتتمرّدُ على الواقع الّذي تنوي عائلتُها فرْضَهُ عليها، وتُؤمِنُ بأنّ لها الحقّ في اتّخاذِ قراراتِها بمحضِ إرادتِها الشّخصيّة، والتّعبيرِ عن رأيها بحُرّيّةٍ تامّةٍ. هذه الرّغبةُ الصّادقةُ والعزيمةُ الثابتةُ عزّزتا لديها الشّموخَ وذروة المجد كاسمها بالضّبط (علياء)، حيث أنّها لم تُذعن لقرارِ العائلةِ بشؤونِها الخاصّة، بل تحدّتْ واتّخذتْ قرارَها بالفرارِ والاختفاء، بسبب ذلك المجتمع الفاسدِ المُتحرّشِ الطّاغي.
وفي قصة "المقهى" تبدو العانسُ بصورتِها الحائرةِ التّائهةِ، تُحاورُ نفسَها باستمرارٍ، لأنّها لا تجدُ لها ونيسًا أو صديقًا، تُشاطرُهُ بعضًا ممّا يَختلج في أعماقِها، فهي تعيشُ وحيدةً، وتكادُ تغادرُ هذا الكونَ وحيدةً كذلك، تقضي لحظاتٍ عصيبةً مِن عمرِها، تزورُ المطاعمَ بمفردِها، تحتسي القهوةَ بمفردِها، وتراقبُ تصرّفاتِ الآخرين وترصُدُ سلوكَهم بفضولٍ لا إراديّ، وصوّبتْ جُلَّ اهتمامِها لتحرُّكاتِ البيئةِ المُحيطةِ بها، لكي تشعرَ بوجودِها في هذا العالم، وكي تعيشَ قَدَرَها كما رُسِمَ لها ،إذ سُلبَ منها حقُّ الزّواج، وحرَمَها من العيشِ في ظِلِّ رجُلٍ يَحميها ويُشعرُها بكينونتِها.
والمرأةُ الأمُّ العاملةُ في قصّتيْ "مذكّراتُ عاملةٍ في السّوبر ماركت"، وقصّة "بنتٌ مِن هذا العالم"، هي الأمّ التي تُعتبرُ مصدرَ الحنانِ المُلتهبِ المُتأجّجِ ما بقيَ الزّمن، فهي ما تنفكُّ تُعيلُ عائلتَها، وتَحرصُ على تماسُكِها وثباتِها حتّى رمَقِها الأخير، ولأسفِها، أنّها دومًا عالقةٌ ما بينَ المِطرقةِ والسّندان، ما بينَ الأبناءِ واحتياجاتِهم ورغباتِهم، إزاءَ ربّ البيتِ حاسمِ الأمورِ ومُنهيها، صاحبِ الكلمةِ القاطعةِ والأخيرةِ طبعًا، وإلى آخرِهِ مِن صورٍ تنقشعُ وتنجلي، بمُجرّدِ أنْ نُسْهِمَ في تصَفُّحِ صفحاتِ هذا الكتاب، فلِمَن لم يقرأه فأنا أنصح وأوصي به، فكما قال الرسول صلعم أوصيكم بالنساء خيرا، وبهذا التناص أنهي مداخلتي "أوصيكم بالأدب المحلي خيرا"، فتابعوه، أهيجوه، رغبوه وانشروه فأنتم العماد ولكم السداد. 
مداخلة رشدي الماضي: غاليتي الأديبة حوا لطواش: أعمّدُني/ وصولًا راح يقتربُ/ ماءً/ يُراودُ الأمطارْ/ يأخُذني بعيدًا إلى/ مرفأ دواتكِ/ كي نرتشفَ عطر الآلهة/ لازوردَ ألوانٍ/ كلماتٍ وأشعارْ/ كلماتٍ وأشعارْ/ زاجلي إلى حوا سؤال ونداء..../ رشدي الماضي/ أكتبُني قصيدةً/ يطلُّ منها سؤالٌ/ وسؤال!!!/ لِمَنْ/ تجتمعُ على غُصن عينيكِ النّوارس/ وتسْتوي/ في شفتيكِ الحروفُ نفحًا سماويّا/ وكلماتٍ كلمات/ لِمنْ يا زهرةَ لوزِ آذار/ لغةً/ وأمطارًا تأتي/ بغير مسيرة التيّار!!!
غاليتي!!!/ كلامكِ رياحُ نبوءةِ الأنهار/ ومدينتي... أسئلةٌ لمحنتي/ هُبّي من وجعي إلى وجعي/ كتابًا/ يُفسّر حكمةَ الأشجارْ/ أنتظركِ... بأسرع من الزّمن/ الذي يهربُ منك ومنّي/ قُرب شرفةٍ/ يبرّر ضوؤها الأقمار بالأقمارْ/ تعاليْ!!! نحوي أبجديّةً تأتي/ تأتي كلّ ربيعٍ/ تموزًا إلى عشتارْ/ تموزًا إلى عشتارْ
مداخلة حوا بطواش: أودُّ أنْ أشكرَ القائمينَ على هذه الأمسيةِ: نادي حيفا الثقافيّ برئاسةِ الأستاذ المحامي فؤاد نقارة، والمجلس المليّ الأرثوذكسيّ الوطنيّ- حيفا، واتّحاد الكرمل للأدباء الفلسطينيّين، ومنتدى الحوار الثقافي-عسفيا. أشكرُ الحضورَ والمُتحدّثين والمُنظّمين العريفة.
الحقيقة، أنّ كتابي "الرجل الخطأ هو كتابي الأوّل الذي صدر عام 2013 ويتضمّنُ قصصًا كتبتُها منذ سنواتٍ، أي أنّها أولى قصصي القصيرة، والتي نَشرْتُ مُعظمَها في حينها في صحيفة كلّ العرب وفي مواقع الإنترنت، وهي بالنسبة لي تعكسُ بداية مسيرتي الأدبيّة، وشخصيًّا، أرى أنّني تخطّيتُ هذهِ المرحلةَ، فقد كتبتُ العديدَ مِنَ القصصِ بعدَ صدورِ هذا الكتاب، وإنّني أتطلّعُ إلى الأمامِ، وأفكّر ماذا يمكنني أنْ أُقدّمَ للمستقبلِ بطريقةٍ أفضلَ ممّا سبق، وكيف يُمكنُني أنْ أتطوّرَ.
كنتُ منذ فترةٍ أُحضِّرُ لإصدارِ روايةٍ، وكنتُ أعلنتُ عنها ونشرتُ مقاطعَ منها على صفحتي في الفيسبوك، لكنّني أحسستُ أنّهُ ما زالَ هناكَ اهتمامٌ بكتابي "الرجل الخطأ"، وأنّهُ لم يأخذْ حقّهُ في التوزيع، فأصدرتُ الطبعة الثانية للكتاب، عن طريق دار الرازي في كفر قاسم، لمالكِها الكاتب نعمان عبد القادر، ووُزّعَ الكتابُ أكثرَ، وأنا تحدّثتُ عنهُ في أمسيتيْن عدا عن هذه الأمسية، خلالَ الأيّام الثقافيّةِ في طرعان هذا العام، وفي العام الماضي في دير الأسد، وقد تحدّثتُ عنهُ في عدّةِ مناسباتٍ، وكُتب عنه قليلًا، وأظنُّ اليومَ أنّ الكتابَ أخذ حقّهُ، وبشكلٍ عامّ أنا سعيدةٌ وراضية عنه. أتمنّى أنْ أكونَ قد وُفّقتُ إلى حدٍّ ما، في جذبِ اهتمامِ وفضولِ القارئ، وإمتاعِهِ وإيصالِ جزءٍ صغيرٍ مِن أفكاري وخلجاتي بالطريقةِ التي كتبتُها، وأنا سعيدةٌ جدًّا بمُداخلاتِ ومُلاحظاتِ الأساتذةِ المُتحدّثين الموضوعيّةِ والتحليليّة، استفدتُ منها ومِن كلِّ مَن أعطاني مُلاحظاتٍ عن الكتاب وتشجيعًا ودعمًا معنويًّا، فذلك يَعني لي الكثير.