كتاب حصارُ الدائرة للشاعر شوقي مسلماني

(حصارُ الدائرة
منشورات دار الفهد 
الطبعة الثانية ـ
سيدني 2017
صفّ الكومبيوتر: مينار طراد ودنيا قضاة).
** 

(جنون) 
مطارق وصنوج  
في احتفالِ الخرافة 

سجائر 
ألمٌ في العينين  
  
أرقٌ 
يحفرُ عميقاً 
ليقيمَ 
إلى الأبد 
                     بين
                         الحلمِ والجنون.

(عينان في المرآة) 
دخِّنْ معي 
أيّها الغريبُ 
سيجارةً 

نادمْني 
لكي أنسى هبوبَ الريح  
في الصحراء   

تعالَ نمشي معاً الليلةَ 
ثمَّ ارحلْ  

أنظرْ كم يشبهُنا الشجر   
كم تشبهنا القطط 
كم نحنُ غير موجودين  
مثل الطيور  
التي كانت هنا 
هذا الصباح 
واختفتْ 
  
أنا معك 
يا صاحبي  
عزاءٌ للعينينِ المعلّقتينِ 
في المرآة 
وللرأسِ 
التي تسنّدُها كفٌّ 
على سرير. 

(صراخ صامت) 
لا يهمُّ في أيّ ليلةٍ  
ضيّعَ عينيه  
انحنى مفتّشاً بين الشوكِ 
عن بقاياه  

يفكّرُ بالآتي  
المدى أسود 
رمادُ بركان   
يزاوجُ الأرضَ والسماء  
أو زيتٌ أسود 
تُمطرُه على الأرضِ سماء 
أحزانُ العالم 
مُصوَّبة إلى قلبِه 

يبحثُ 
بين الحصى 
عن أثرٍ لقدميه  

تهشّمتْ مرآتُه 
ضاعَ وجهُه بين النثر 

ما لونُ بشرتِه؟ 
ما حجمُ أنفِه؟  

يستشعرُ غرباء 
في داخله 
جذوراً تستقي من خوفِه 
نملاً يدبُّ بكاءً صامتاً 

لا، لا يهمُّ 
   
إنّه  مشغول عن الأسئلة 
بمأتمِه 
وعن أسمائهم 
بالنجاة!. 

(عارياً)  
قفْ 
على رأسِ الجبل 
وتعرَّ 
مثل كلِّ يوم 
منذُ الإجتياح  

القمصانُ ممزّقة 
جلدُكَ يلاطمُ خجولاً 
ريحاً، برداً وانتقاماً 

ليس غير حانات الليل 
تسترُ المهزومَ 
المكسورَ على سكّين 

إلى أين يذهب 
مَن فقدَ الزمانَ والمكان    
وأينَ يرسي مرساتَه 
والبحرُ ابتلعَ المركبَ والميناء؟ 

يتعرّى 
ليؤكدَ توازنَ الأشياء. 

(عتمة) 
ماءٌ ساخنٌ على الجسد   
وفي الطريق 
يتساقطُ عمرٌ متشابه 
مثل غابة كينا محترِقة   

الذكرياتُ 
ترشحُ عرقاً  
على جدرانِ خيبةٍ ـ 
انكسارتٍ وهزائم  
أحاولُ التخلّصَ منها تباعاً 
في بركة    

قلْ عن نقطةٍ في الهواء شيئاً  
قلْ عن محيطٍ يعومُ بلا معنى 

اسألْ مطراً 
يتساقط مزدحماً 
على رمل  
ماذا يفعل غيرَ أن يسخرَ 
من عطشِ الروحِ 
التي تريد  
في هذه العتمة.   

(يوم قتيل) 
واليومَ 
قتيلٌ  
طفلٌ يتيم 

ساعةُ الحائط  
معطّلة 

فراغ ومشاجرات 

القلبُ!  
على نعشِ الروح 

واليومَ قتيل  
طفلٌ فقير  
يجلسُ وحده 
عند رصيف 

تحطُّ 
فراشةٌ  

ويكرُّ 
خيطُ دمع. 

(هناك) 
القابع هناك 
حيث يعشبُ النسيان 
يفكِّرُ إنّ هذا العالم مجنون 
كلّما يقع على ظلّه!. 

(ألمٌ) 
فجأةً 
ومن أوّلِ يقظةِ الغريق  
فاتحاً عينيه على 
جِ دَ ا رٍ يتهاوى. 

(بركةُ دمّ) 
يتّكئ على كتفِ عمرِه  
يحاولُ أن يقرأ سطراً من ماضيه 
الذي يرفع يداً بين ركام ليختفي  
أو يرفع يداً بين أمواج ليغرق   
وفقط بالأمس أشرقتِ الشمسُ من جهة 
كان شابّاً يعبرُ إلى حديقة  
وكانت شاحنةٌ تفرَّ بعيداً 
من بركةِ دمِه. 

(المشهد) 
يُسدَلُ الليلُ   
غراباً عند ذاك الخراب  
وعند جذعِ شجرةٍ 
تنتظرُ الجرذانُ برقاً ورعداً 
لا يأتيان 
ووحيد ينتظر عاصفةً   
ومشهداً أخيراً. 

(كومبرادور)  
طافحةٌ بأعقابِ السجائرِ 
كانت المنافضُ  

قطارُ الكلمات 
يسيرُ بالنيكوتين   

الدخانُ يخرجُ خِرقاً من أفواهِنا  
على خشباتِ الهزل    
قطارُ الكلمات يجترُّ خططَ السلمِ والحرب 
لعصابةِ الكومبرادور   

يمضي آخرَ الليلِ مبحوحاً 
إلى نهدي "جوان كولينز"  
اليافطةُ: "لا شرقيّة ولا غربيّة"! 

يتعطّلُ القطارُ 
إذا استيقظتْ أمّي ونبّهتْني بعينيها. 

(رمال متحرِّكة) 
المكانُ يُغلقُ  
النوافذُ تتساقط 
من جدرانٍ دائريّة 
  
الصدى   
رجْعُ صدى  
المستغيثٌ  
يرفع رأسَه  
يتصدّع بالمجهول 

ومَن هو على سَفَر  
لا مدى لعينيه 
في العالمِ الغريق  

مائدتي 
أيّها الصديق 
فوقَ رمال متحرّكة. 

(كلمات) 
1 ـ 
مفتكراً 
إنّه لا ينظر 
إلى ساعةِ يدِه 

يرى الناسَ 
أشجارَ غابةٍ   

تعبرُ أعيادٌ 
ولا حتى يسمع بها 

يدُه دخان، عيناه نسيان 
لا يعرف بعدُ كيف يبتسم. 

2 ـ 
نتصفّحُ وجوهنا 
كأنّنا نعزّي بعضنا 
نفترق 
لنعودَ إلى سيرتِنا   
في اليومِ التالي 
  
قافلةُ جِمالٍ تترنّح 
حصانٌ يتوسّلُ رصاصةَ رحمةً   

الناسُ يتابعون أعمالَهم كالمعتاد 
الخزانةُ المفتوحة مرعِبة في هذا الليل 

على الطاولةِ كتابٌ 
عن الجنازةِ المقيمةِ أبداً. 

3 ـ 
العالم بلا رصيف 
الشاحناتُ تجتاحُ المدنَ كعاصفة 
يقولُ المتفاجىءُ بالحديد: 
الإسفلتُ يرتفعُ إلى الرقبة!.  

4 ـ 
الشارعُ يغرق في العتمة  
أوراقُ الشجر تغطّي رصيفاً   
مقعدٌ ينتظرُ باصاُ مضى  
امرأةٌ في وسط الشارع 

قريباً من حائط تنبعثُ منه عطونة 
ينامُ عجوزٌ وجدوا هيكلاً  يشبهُه 
عمره أكثر من 40 ألف سنة  

أشقياء يعبرون أيضاً  
تنهار واجهةٌ زجاجيّة  

وبين أوراقِ الشجرِ سكران 
بسترةٍ باليةٍ وبنطال من دون سحّاب. 

5 ـ 
أتساءل عندما لا يبقى لقلبي 
غير ذكرى طفل في الطابق الثاني يبكي 
وسؤال عمّا يفعل البحر حين تختفي النوارس 
وتنطفئ فجأةً سفينةُ الليل المضيئة  
وليس في هذه الناحية على الشاطئ 
غير قناديل ميّتة 
أتساءل ماذا يبقى لعينَيّ  
إذا طالَ الشوقُ والإنتظار؟. 

6 ـ 
لو أنّكِ معي 
لأرمي حطبَ السنين 

الفتى مقذوف 
إلى آخِرِ العالم 
وفي أذنيه طنين 

لو تبتسمي 
لأرمي علبةَ السجائر 

يكفي أن تخطري 
عيناي زهرتا ميالِ شمسٍ لعينيكِ 
وفمي أوبرا غناء. 

7 ـ 
أنتِ في الذاكرة 
مثل موجِ البحر 
بعيدة في قفرِ المسافة  

يحلمُ بعينيكِ الواسعتين   
بالجدائلِ من سماء تتدلّى   

فاجأه الليلُ  
رايةُ آخِر قلعة 
في بياضِ قلبِه 
تهوي    

وإبرةُ الزمن  
تخيّطُ تجاعيدَ وجهه. 

8 ـ 
لا لم تكن هناك 
قالوا في حديقةٍ وردٌ أزرق 
وبركةٌ مثل وردةٍ مائيّةٍ كبيرة  

النسيمُ لم يداعب صفحةَ وجهه 
المتنقِّلِ بين المقاعد وبين الظلال 
كان أناسٌ يتنزّهون 
الشجرُ صامتٌ  

كان يريد أن يقول لكِ 
أنتِ بعيدة 
وتأتين من وراءِ البحر 
أنت بعيدة 
وتأتين من عينِ نجمة 

وحين أسندَ ظهرَه إلى شجرة 
انهمرتْ الدموع من عينيه 
قبل أن ينهمرَ المطرُ ويظلَّ وحيداً. 

9 ـ 
على وجهها ابتسامة ناعمة وذكيّة 

في غرفةِ الإستقبال 
نسائم من بحرِ بيروت 
خيالات لتزاحمِ الناس 
خيالات لعتّالي السلّ 
وسيّارتُ مرسيدس 180 تعبر 

هل هذا ممكن؟ 
هل هذا معقول؟ 

أخيراً التقينا 
لا أعتذر، لا تعتذري 
أنا أنظر في عينيك 
انظري في عيني. 

(حصارُ الدائرة) 
بقيَتِ الذكرى 
تلوحُ في المدى الخراب   
هذه السنوات 
كلّها أكاذيب أو سراب  
ركضٌ، زحفٌ، صراخٌ  
لا ماء  
النفطُ وحده يقولُ ويشاء 
  
نحنُ ريح على الصخر 
في المدى الصخر    
نكتبُ فرماد، ننادي فصدى 
نأملُ فمحال  
النفطُ وحده إذا قالَ قال  

النهارُ من رصاص 
ليس مثله نهار  
الدمع نزيفُ نار  
معاً نغرقُ في الوحشة  
معاً نضيعُ في الطريق  
معاً نُقصِّر في الحلم الذي كان  
لم يبق إلاّ النفط، يزحفُ الرمل   
يخنقُنا السعال 
    
العصافيرُ تموت ويبكيها الشجرُ   
يا يومَ أهديتُكِ يا حبيبتي وردةً 
كان القمرُ، كانتِ السماء    
كان الياسمين والعطرُ المُبَاح  
كانتِ النجومُ ماساً، كان المرجُ فسيحاً 
لم يعد في المدى غير أحزان  
النفطُ يسوقُ الليلَ 
يمشي على أحلامِ الورودِ 
  
الضجيجُ من مركبةٍ تُقلِقني  
لم يبقَ على شجرِ روحي ورقةً أستظلّها  
ماتت ألوان كثيرة 
   
مَن للعاري في الزمنِ العاري؟  
مَن للأخضر في الزمنِ الموات؟  
مَن للقلب في زحمةِ الأظافر؟ 
  
ليس غير النفط يرقص 
ليس غير النفط يفرح 
وليس غير النفط غناء 
  
ها هو الفارسُ يقفل عائداً 
مِن طريق لم يعثُر عليها 
مهشّم الراية والوجه واليدين  
كلُّ الأسماء إسمه ولا يعثر على إسم  
كلُّ الجهات جهاتُه ولا سقفَ له 
  
يحتقنُ الغضب، الكلُّ غريق  

وليس غير النفط صواب  
وليس غير النفط كتاب. 
*****

(كُتِبت هذه الأوراق
على مراحل 
منذ عام 1987،
ونُشرت في مجموعة
بالعنوان ذاته: "حصارُ الدائرة"
عن دار راليا برس ـ سيدني
في سنة 1992).
Shawki1@optusnet.com.au


CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق