جمعية محترف راشيا تطلق كتابَي المؤلف رائد سامي شهيّب ورئيس الجمعية شوقي دلال يشيد بالإنجاز الفكري
أطلقت “جمعية محترف الفن التشكيلي للثقافة والفنون” في راشيا كتابَي الكاتب والباحث رائد سامي شهيّب، ابن مدينة عاليه، وهما: "تمرّد المعنى على الحرف" و"معراج تسامي الهمم" الصادر عن دار النهار، وذلك في مقر الجمعية في راشيا الوادي، في إطار رسالتها الهادفة إلى دعم الإنتاج الفكري اللبناني وإبراز المؤلفات التي تشكل إضافة نوعية إلى المكتبة العربية.
وأكد رئيس الجمعية الفنان شوقي دلال أن الكتابين يمثلان مشروعاً فكرياً وروحياً متكاملاً، يقدّم رؤية عميقة للإنسان والوعي والمعنى، بعيداً عن الطروحات التقليدية، ويكشفان عن مؤلف يمتلك لغة رفيعة ورؤية فلسفية وعرفانية متماسكة، قادرة على الجمع بين الفكر والأدب والتجربة الإنسانية في آنٍ واحد.
وأضاف دلال أن كتاب "تمرّد المعنى على الحرف" يدعو إلى تجاوز القراءة الحرفية للنصوص نحو اكتشاف المعنى الكامن فيها، في رحلة تأملية تلامس العلاقة بين العقل والروح وتفتح أمام القارئ آفاقاً جديدة للتفكير، فيما يواصل المؤلف في "معراج تسامي الهمم" مشروعه الفكري من خلال نص إنساني عميق يجعل من الارتقاء الداخلي والوعي الذاتي جوهر رحلة الإنسان نحو الاكتمال.
وأكد دلال أن هذين الإصدارين يمثلان قيمة مضافة للمكتبة العربية، لما يتضمنانه من رؤى فكرية عميقة ومعالجة فلسفية وأدبية راقية، تعكس نضج تجربة المؤلف رائد سامي شهيّب، وتؤكد حضوره المتنامي في المشهد الفكري والثقافي اللبناني والعربي بوصفه كاتباً يحمل مشروعاً معرفياً يستحق التقدير والاهتمام
من جهته، توجّه المؤلف رائد سامي شهيّب بالشكر والتقدير إلى “جمعية محترف راشيا”، واصفاً إياها بأنها من الجمعيات الرائدة في العمل الثقافي على مستوى لبنان، ومثمناً الدور الذي تؤديه في احتضان الفكر والإبداع ودعم الكتّاب والمثقفين. كما خصّ رئيس الجمعية الفنان الأستاذ شوقي دلال بالشكر على قراءته النقدية العميقة والهادفة، والتي لامست جوهر العملين وأضاءت أبعادهما الفكرية والإنسانية.
وفي ختام اللقاء، دعا المؤلف القرّاء والمهتمين بالشأن الثقافي إلى المشاركة في اللقاء الحواري حول كتابيه "تمرّد المعنى على الحرف" و"معراج تسامي الهمم"، والذي يُقام يوم 26 أيلول المقبل في جامعة القديس يوسف في بيروت، في لقاء مفتوح للحوار وتبادل الرؤى حول مضامين الكتابين ومسيرتهما الفكرية.
جمعية محترف راشيا تطلق كتاب "العروبة فكراً وسلوكاً" للأستاذ أحمد قاسم ذبيان
أطلقت “جمعية محترف الفن التشكيلي للثقافة والفنون” في راشيا كتاب "العروبة فكراً وسلوكاً" للأستاذ أحمد قاسم ذبيان، وذلك في مقر الجمعية في راشيا الوادي في إطار رسالتها الهادفة إلى دعم الحركة الفكرية والثقافية وتشجيع المؤلفات التي تُثري المكتبة العربية وتعزز ثقافة الحوار والانتماء.
ورأى رئيس الجمعية الفنان شوقي دلال أن إصدار هذا الكتاب يشكّل إضافة فكرية قيّمة إلى المكتبة العربية، لما يتضمنه من قراءة واعية لمفهوم العروبة باعتبارها منظومة قيم حضارية وسلوكاً إنسانياً بعيداً عن الشعارات، ومؤكداً أن الكتاب يفتح آفاقاً جديدة للتأمل في قضايا الهوية والانتماء والوعي القومي انطلاقاً من رؤية فكرية مسؤولة تستند إلى المعرفة والتوثيق والتحليل ويشكّل إضافة نوعية إلى المكتبة العربية لما يثيره من أسئلة ورؤى حول الهوية والوعي والتاريخ.
ويُعدّ الأستاذ أحمد قاسم ذبيان قامة فكرية وثقافية ووطنية، جمع بين التربية والعمل العام والإنتاج الفكري، فترك بصمة راسخة في ميادين الثقافة والمعرفة، ويأتي هذا الكتاب امتداداً لمسيرته الحافلة بالعطاء ودليلاً على إيمانه العميق بقضايا الأمة وبقيمة الفكر المسؤول.
وأكدت "جمعية محترف راشيا" في ختام البيان استمرارها في احتضان الإصدارات الفكرية والأدبية إيماناً منها بأن الثقافة تبقى الركيزة الأساسية لبناء المجتمعات، وأن الكتاب سيظل نافذةً مشرعة على المعرفة ورسالةً حضارية تتجاوز حدود المكان والزمان
وندعو الجميع الى توقيع الكاتب لكتابه الجديد نهار الاحد 19 تموز الحالي الساعة 11 صباحاً في مكتبةِ الإمام برهان الدين البقاعي مفرق كفردينس قضاء راشيا الوادي.
صدماتُ الذّاكرة الجريحة في كتاب "جراح السرد"
سعيد الفلاق (باحث مغربي)
تمهيد:
يأتي كتاب "جراحُ السرد، صدمة الغيرية والرّد بالكتابة" للباحث والناقد محمد الداهي -الصادر عن المركز الثقافي للكتاب(2026)- في سياق الدراسات السردية ما بعد الكولونيالية التي تعيد مساءلة تمثيلات الماضي وآليات بناء الذاكرة في الخطاب الأدبي والتاريخي، بالانفتاح على تحليل الجراحُ المادية والرمزية التي خلّفها الاستعمار وتزال آثارها ممتدة في الحاضر بالانطلاق من وعي نقدي مفاده أن السرد ليس مجرد وسيلة لنقل الأحداث، وإنما فضاء لإنتاج المعنى وتشكيل الذاكرة الجماعية، سواء من خلال تفكيك الصور النمطية التي رسّخها الخطاب الاستعماري في تمثيله للشعوب المستعمَرة، أم بإبراز أشكال المقاومة السردية التي تسعى إلى استعادة الصوت المغيّب وردّ الاعتبار إلى تجارب التابعين والمهمّشين.
يولي الكتاب، في هذا الإطار، أهمية خاصة لمفهوم "شعرية الذاكرة" بوصفها ممارسة تتجاوز مجرد استرجاع الأحداث المنسية إلى مساءلة طرائق تمثيلها وتحليل بنياتها وأشكال اشتغالها في مختلف الأجناس التذكارية، مثل المذكرات والرسائل والكتابة التاريخية. كما يوسّع هذا المفهوم ليشمل فحص التمثيلات التي يقدّمها الأفراد عن ماضيهم بعد منحهم حق الكلام، بما يسمح بكشف التوتر القائم بين التذكر والنسيان، وبين الحقيقة والتأويل داخل سرديات تتعدد زواياها وتتشابك مستوياتها. من هذا المنطلق، يقدّم "جراحُ السرد" رؤية نقدية تجعل من السرد أداة لقراءة الذاكرة الجماعية وتفكيك تاريخ الهيمنة الاستعمارية، بما يفتح المجال أمام إعادة كتابة الماضي من منظور يسمح بتعددية الرؤى.
تندرج هذه القراءة ضمن مقاربة نقدية للسرديات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية كما يتناولها الكتاب، بالسعي إلى الكشف عن آليات تمثيل الآخر في الخطاب الاستعماري، وما يرتبط به من صور نمطية اختزلت الشعوب المستعمَرة في قوالب وصور جاهزة تخدم منطق الهيمنة الإمبراطورية. وفي مقابل ذلك، تبرز أهمية "الرّد بالكتابة" بوصفه فعلا إبداعيا ومقاوما يعيد الاعتبار لأصوات المهمَّشين ويصوغ من جديد علاقتهم بتاريخهم وذاكرتهم وهويتهم. سنروم، انطلاقا من هذا التصور، تحليل البنية الثنائية التي يقوم عليها الكتاب، والمتمثلة في تفكيك خطاب المركز الاستعماري من جهة، واستجلاء أشكال المقاومة السردية التي أنتجتها الكتابة ما بعد الكولونيالية من جهة أخرى. كما نسعى إلى إبراز الكيفية التي تتحدّد بها علاقة الأنا بالآخر داخل هذا السياق بوصفها علاقة صدامية تتقاطع فيها الأبعاد الثقافية والمعرفية والسياسية، وذلك بتواجه الذات الاستعمارية مع الذوات المستعمَرة في صراع رمزي حول التمثيل والهوية والذاكرة. ومن ثم، نسعى إلى فهم الكيفية التي يُسائل بها السرد التاريخ وكتابة الذاكرة ومواجهة أنماط الإقصاء والتهميش.
شعرية الذاكرة الموسعة: صراع التمثيلات
يتأسس كتاب "جراح السرد" على بنية تحليلية مزدوجة تُظهر بوضوح طبيعة الاشتغال النقدي في مقاربة السرديات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية. فالقسم الأول ينشغل بتفكيك الصور النمطية الجاهزة والمسكوكة التي أنتجتها الإمبراطورية الاستعمارية في تمثيلها للشعوب المستعمَرة والمضطهدة، حيث تُقدَّم هذه الشعوب غالباً في قوالب اختزالية تقوم على التهميش والإقصاء أو التشويه الثقافي والحضاري، بما يخدم خطاب المركز الاستعماري ويُبرّر هيمنته الرمزية والمادية. أما القسم الثاني فينهض على "الرّد بالكتابة" باعتباره فعلا إبداعيا ونقديا يعيد الكلمة لأصوات الضحايا والمستعمَرين لإنتاج سرديات مضادة للغة الإمبراطورية تُقوّض الرواية الكولونيالية وتكشف آليات اشتغالها الإيديولوجي. وبين هذين المحورين تتجلى علاقة الأنا بالآخر بوصفها علاقة غير متوازنة في أغلب الأحيان، إذ تتخذ طابعا صداميا يعكس التوتر العميق بين الذات الاستعمارية التي تسعى إلى فرض نموذجها المعرفي والثقافي، والذوات المستعمَرة التي تقاوم هذا الفرض باستعادة صوتها وهويتها وذاكرتها. من هنا، لا يكتفي الكتاب بوصف هذه العلاقة، بل يشتغل على تفكيك بنيتها وإبراز أبعادها الرمزية والمعرفية، مبرزاً كيف يتحول السرد إلى حلبة صراع بين خطاب الهيمنة وخطاب المقاومة، وبين تمثيل يُقصي وتمثيل يروم استعادة الحق في الوجود والتعبير.
ينطلق الناقد في إظهار المكانة المركزية للذاكرة، من كونها إحدى القضايا الملحّة في الفكر الإنساني، لما تختزنه من آثار وتجارب قد تكون مصدر اعتزاز وفخر، وقد تتحول في المقابل إلى جراح رمزية تستعيد آلام الماضي وصراعاته. فالذاكرة ليست مجرد استرجاع للأحداث السابقة، بل هي فعل ثقافي وسياسي يُسهم في تشكيل الهوية الفردية والجماعية، ويؤثر في طريقة تمثيل الماضي وتأويله. يؤكد الداهي، في هذا الصدد، أن الاهتمام المتزايد بالذاكرة يعود إلى مجموعة من الاعتبارات، من أبرزها السعي إلى خلخلة السرديات المهيمنة التي احتكرت رواية التاريخ، وإفساح المجال أمام سرديات بديلة أو حوارية تستعيد حق الفئات المهمشة والمستعمَرة في التعبير عن تجاربها الخاصة. فالذاكرة، في هذا السياق، أداة لمقاومة النسيان والتهميش، ووسيلة لبناء الحقيقة التاريخية من منظور الضحايا والشهود الذين تعرضوا للإقصاء أو الاضطهاد. كما أن استدعاء الذاكرة يهدف أحياناً إلى فهم ما جرى في الماضي وتجاوزه عبر الاعتراف بالمعاناة، والسعي إلى استيعاب الأحداث الصادمة وتضميد جراحها. غير أن الذاكرة، كما يبيّن الباحث، لا تشتغل بطريقة بريئة أو محايدة، وإنما تخضع لمنطق انتقائي يُحدّد ما ينبغي تذكّره وما يجب نسيانه. ما يفيد أنها قد تتحول إلى أداة إيديولوجية تُوظَّف لخدمة أهداف سياسية أو قومية تكرّس رواية معينة للتاريخ وإقصاء روايات أخرى منافسة. يؤدي هذا التوظيف إلى تهميش ذاكرة الأقليات والشعوب المستعمرة، وإلى إنتاج أشكال جديدة من الهيمنة الرمزية التي ما فتئت تُؤرق الشعوب المستعمَرة(التركة الكولونيالية).
يستند الباحث، في تأصيله النظري لهذه الإشكالية، إلى أفكار تزفيتان تودوروف(Tzvetan Todorov)، خاصة في كتابه "الشطط في استعمال الذاكرة"، الذي يُبرز فيه كيف تعرّضت الذاكرة في القرن العشرين إلى أشكال متعددة من الانتهاك على يد الأنظمة الاستعمارية والاستبدادية. فقد سعت هذه الأنظمة إلى محو الذاكرة الجماعية للشعوب المضطهدة والمستعمَرة بإحراق الوثائق والكتب، وتدمير المعالم التاريخية، وتزييف الوقائع والحقائق، وهو ما خلّف جراحا مادية ورمزية عميقة لا تزال آثارها ممتدة في الحاضر. ومع ذلك، فإن الضحايا غالبا ما يقاومون تدابير الطمس والنسيان بالتشبث بذاكرتهم والدفاع عنها. تتعيّن الشهادة، هنا، بوصفها إحدى أهم الوسائل التي تحفظ الذاكرة من الضياع؛ إذ تتيح للضحايا التعبير عن تجاربهم الشخصية وصدماتهم العنيفة، وتحويل معاناتهم الفردية إلى ذاكرة جماعية قادرة على مواجهة النسيان وإعادة الاعتبار للحقيقة التاريخية. كما يستحضر الباحث محمد الداهي تصورات بول ريكور((Paul Ricoeur في كتابه "الذاكرة، التاريخ، النسيان"، عندما يُوضّح أن التذكر الحقيقي يقوم على الوفاء لأحداث الماضي كما وقعت. غير أن هذا الوفاء يواجه عراقيل متعددة، منها النسيان أو الإفراط في التذكر، وكلاهما قد يؤدي إلى تشويه الذاكرة. فالمبالغة في استحضار أمجاد جماعة معينة وبطولاتها، مقابل تجاهل إسهامات الجماعات الأخرى، يفضي إلى ما يسميه ريكور ب"الذاكرة المطوَّعة"، أي الذاكرة التي تخضع للتوجيه والتوظيف الإيديولوجي بما يخدم مصالح محددة. هكذا، يخلص الكتاب إلى أن الذاكرة تُمثّل مجالا للصراع بين التذكر والنسيان، وبين الحقيقة والتزييف، وأن استعادتها في السرد الأدبي والثقافي تكتسي أهمية خاصة في الكشف عن الجراحُ المادية والرمزية التي خلّفها الاستعمار والاستبداد. بهذا الفهم، يغدو السرد وسيلة للحفاظ على الذاكرة الجماعية، واستعادة أصوات الضحايا، ومقاومة كل أشكال المحو والإقصاء التي تهدف إلى تعزيز هيمنة الإمبراطورية وتدمير ذاكرة الشعوب المستعمرة سابقا.
تناول الباحث الجراج باعتماد فعلين، الأول تكليمي (perlocutoire) يتأسس على إلحاق الأذى بالآخر عبر اللغة، حين يمارس المتكلم سلطته وهيمنته من خلال الكلمات، بحيث "لا يقل الجرح اللغوي تأثيرا أو خطورة عن الجرح الجسدي بما يخلّفه في نفسية الإنسان من آثار أليمة"[1]. وتتجلى هذه الجراح في خطابات الكراهية والعنصرية والتمييز العرقي والجنسي، وما تنتجه من آثار نفسية واجتماعية عميقة. يستحضر الكتاب، في هذا السياق، ما ذهبت إليه جوديت باتلر(Judith Butler) في مؤلّفها "سلطة الكلمات: سياسة الإنجازي"، حين اعتمدت مفهوم "الهشاشة أو الجروح اللغوية" للدلالة على ما ينشأ عن "إثارة حساسية فئات معينة بألفاظ جارحة وصادمة"[2]، وهو ما يستدعي تجديد النظر في كثير من المفاهيم والتسميات ذات الحمولة الإقصائية والعرقية. يرى الباحث أن الخطاب الإمبريالي أسهم في ترسيخ هذه الجروح من خلال بناء لغة قائمة على التمييز الثقافي والعرقي، تقوم بتقسيم العالم إلى ذات متفوقة وعقلانية وأخرى متخلفة وشهوانية، بما يبرر إخضاعها واستعمارها. أما المستوى الثاني فيتمثل في الفعل التكلُّمي(Illocutoire) الذي تتحول فيه اللغة إلى وسيلة للإفصاح عن المعاناة واستعادة التجارب الجريحة. وهنا، يتوقف الداهي عند الوظيفة الاستشفائية للأدب، باعتبارها مجالًا يمنح المهمشين والمستضعفين والمرضى والسجناء والمهاجرين إمكانية التعبير عن آلامهم عبر الكتابة. بهذا الشكل، أصبحت السرديات الجريحة، سواء في شكل سير ذاتية أو مذكرات أو محكيات، تُشكّل اليوم فضاءً للكشف عن الأزمات الفردية والجماعية واستيعابها. في هذا الإطار، تنهض الذاكرة بمهمة محوريّة في صيانة الهوية الثقافية، إذ "تؤدي دورا كبيرا في ضمان الاستمرارية الثقافية التي تمكّن جماعة ما من الحفاظ على إرثها الثقافي والمعرفي المشترك، وصيانته من النسيان والتلاشي والدمار"[3].
يتوزع الكتاب، من خلال هذا التصور النظري، إلى محورين رئيسين؛ يهتم الأول بتحليل الصور النمطية التي تنتجها الإمبراطوريات في تمثيل الشعوب المستعمرة والمضطهدة، بينما يركز الثاني على أشكال المقاومة السردية التي تواجه الرواية الكولونيالية وخطابها الداعم للمنظومة الاستعمارية. وبين هذين المحورين ترتسم العلاقة بين الأنا والآخر بصفتها علاقة يغلب عليها التوتر والصدام، في ظل الصراع بين الذات الاستعمارية والذوات المستعمَرة. يعتمد الباحث لتفكيك هذه المكونات على مفهوم الصوريات (Imagologie) بوصفه حقلًا يدرس "مختلف التمثيلات التي تحملها الأنا عن الآخر، وهي جماع من القوالب والرواسم والمواقف والمشاعر التي تراكمت بمرور السنين في بنية ثقافية معينة، وأضحت خلفية معرفية أو مرجعية يُحتكم إليها ليس لرؤية الآخر فقط، بل للتعامل معه، واتخاذ موقف منه أيضا"[4]. يكشف هذا التعريف عن أن الصوريات لا تقتصر على دراسة تمثلات الآخر، بل تنشغل أيضًا بتفسير الكيفية التي تُبنى بها العلاقات بين الذات والغير في ضوء المرجعيات الثقافية والاجتماعية والتاريخية؛ أي أن الصورة التي يشكّلها كل طرف عن الآخر لا تنبع من التجربة المباشرة فحسب، وإنما تتأثر بالموروث الثقافي والصور المتداولة التي تُرسّخها الجماعة.
يقود هذا الوضع إلى ما يسميه الباحث ب"صدمة الغيرية"، حيث تقوم العلاقة، خاصة في السياق الاستعماري وما بعده، على الشعور المتبادل بالتهديد؛ فالمستعمِر يرى في الآخر خطرًا على مركزية حضارته، بينما يشعر المستعمَر بأن هويته مُهدّدة بالإقصاء والطمس. لذلك "غالبا ما ينظر -بحكم التجارب التاريخية- إلى الآخر بصفته عدوا يشكّل، على الدوام، تهديدا للهوية الذاتية"[5]. يؤكد الداهي أن الآخر يتجسّد في صور متعددة تختلف باختلاف اللغة والعقيدة والعرق والعادات والموقع الثقافي؛ وهو ما يجعل الصوريات تستعين بمجالات معرفية متنوعة، مثل علم النفس وعلم الاجتماع والتاريخ، لفهم هذه التمثيلات وتحليلها.
من أجل فحص هذه المعطيات النظرية، يتناول الناقد، في الفصل الأول، رواية "الحي اللاتيني" لسهيل إدريس، مُحللًا تمثيل العلاقة الحضارية والنفسية بين الشرق والغرب، وهي علاقة يطبعها انعدام الثقة وهيمنة الصور النمطية المتبادلة. يحمل البطل العربي هاجس تحقيق انتصار رمزي، ولو عبر الفتح الجنسي، تعويضًا عن جراح المرحلة الاستعمارية، في حين يظل الغربي أسير الصورة الاستشراقية التي رسّخت في مخيلته الجماعية العربي بوصفه "صحراويا" و"متخلفا" و"فحلا"[6]. يؤدي تشبث كل طرف بهذه التصورات إلى توتر "الفضاء الثالث" بانعدام الحوار والتفاهم والتفاوض، وبتبادل الاتهامات وإعادة إنتاج الصور النمطية. تتواصل هذه الرؤية في الفصل الثاني، المخصّص لدراسة المشروع السيرذاتي لفدوى طوقان، حيث يُبيّن الباحث أن الصور السلبية تجاه الآخر ترتبط بسياقات استعمارية هدفت إلى تدمير الهوية الوطنية ومحوها. لذلك، تتجسّد صورة الإنجليز في السيرة بوصفهم "أصل الشر والبلاء"، بينما يظهر اليهود المتطرفون باعتبارهم قوة استعمارية تسعى إلى اقتلاع الفلسطيني من جذوره، وتهجيره لإقامة وطن استيطاني أحادي.
يتوقف الباحث، من جهة أخرى، عند أعمال الروائي الفرنسي موريس لوغلاي(Maurice Le Glaye)، مبينًا أنها تمثل خطابًا دعائيًّا يدافع عن المشروع الاستعماري في المغرب، من خلال الترويج لفكرة "تفوق العرق الفرنسي على مثيله المغربي، والإشادة به وتمجيده"[7]. ولهذا، تحتفي هذه النصوص بما يسمى بالملحمة الاستعمارية، وتصف المقاومة المغربية بكونها "شرسة" و"عنيفة" و"متوحشة"، مع تقديم المغاربة في صورة الكسالى والجهلة والمتخلفين، بما يضفي على الاستعمار شرعية أخلاقية وحضارية. يرى الداهي، من هذا المنطلق، أن روايات لوغلاي تنتظم ضمن بنية صراعية تقوم على مواجهة بين مستعمِر يسعى إلى فرض سلطته ونشر لغته وثقافته وقيمه، وشعب مقاوم يتمسك بأرضه ووحدته وهويته.
يُقدّم محمد المعزوز في روايته "حرب الكَوم" نموذجاً مضادا، إذ يعمل على استعادة تاريخ «المغاربة القوم» أو الكَوم ((Goumiers الذين جرى إدماجهم في الجيش الاستعماري الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية، للمشاركة في معارك كبرى إلى جانب دول الحلفاء ضد دول المحور، بدءا من حملات تونس وإيطاليا، مرورا بتحرير مرسيليا والألزاس، وصولا إلى الأراضي الألمانية سنة 1945. غير أن هذا الحضور العسكري، رغم أهميته التاريخية، ظلّ محاطا بالتجاهل أو التهميش داخل السرديات الرسمية، وهو ما يجعل من استعادته، بحسب الداهي، فعلاً مقاوما يسعى إلى كتابة جزء من التاريخ المنسي. وبذلك، تتحوّل الكتابة الروائية إلى فضاء لاستنطاق الذاكرة المغيّبة وبناء التجربة الاستعمارية من منظور الضحايا والمهمّشين، وعليه، يُفهم "الرد بالكتابة" بوصفه ممارسة نقدية تسعى إلى تفكيك الإرث الاستعماري.
تُؤكد الرواية، كما جاء في الكتاب، على إثبات الدور البطولي للكَوم المغاربة في الحرب العالمية الثانية، وتَمكّنهم من اختراق خطوط الألمان في أكثر من منطقة. لكن الحرب خلّفت أكثر من جراح بدءا بمحاولة تشويه سمعة الكَوم باتهامهم باغتصاب الإيطاليات رغبة في كسر سمعتهم التي اكتسبوها في أرض المعارك. وهنا، تأتي الرواية لمحاجة الأطروحة الكولونيالية، وتفكيك غاياتها، والكشف عن تهافتها بالدفاع عن مكانة الكَوم وسمعتهم. بهذا الفهم، تتغيا "رواية 'حرب الكوم' إصلاح أعطاب الماضي، وتضميد الجراح الرمزية والجسدية التي خلفتها الحرب العالمية الثانية في صفوف الكَوم وعائلاتهم ومواطنِيهم"[8]. فضلا عن ما سبق، فإن ممارسات الاحتلال الفرنسي كان لها الأثر البالغ على الوضعية الاجتماعية والاقتصادية والنفسية للمغاربة، "بمصادرة أراضيهم، والتنكيل بهم، وإجبارهم على التجنيد، وخوض الحروب بالنيابة في الصفوف الأمامية"[9]، لأن السردية الكولونيالية لم تكن تنظر إلى المغاربة إلا بوصفهم أدوات لخدمة المصالح الفرنسية سواء أ داخل البلد، أم بتجنيدهم لخوض الحروب في أماكن أخرى. وجد الجنود صعوبة في فهم من هو العدو الذي يجب أن يحاربونه، لكنهم كانوا خاضعين لسلطة استعمارية تستغلهم، وتُوهمهم بأنها تحميهم وترعاهم. غير أن هذا لم يدم طويلا، فقد كان لتمرد عيسى إيذانا بتمرد جماعي مقاوم سيكون من نتائجه البعيدة حصول المغرب على استقلاله عام 1956.
نستخلص، في ضوء ما سبق، أن كتاب "جراح السرد" يقيم مشروعه النقدي على تفكيك آليات إنتاج الصور النمطية والخطابات الإقصائية التي رسختها التجربة الاستعمارية، مبرزًا الدور الذي تؤديه الكتابة في مقاومة هذه التمثيلات واستعادة أصوات المهمشين والجماعات الجريحة. بهذا المعنى، تصبح الكتابة فعلًا معرفيًا وأخلاقيًا يسهم في مساءلة التاريخ، وحفظ الذاكرة، والدفاع عن الهوية، وبناء علاقة أكثر إنسانية وعدلًا بين الأنا والآخر، بعيدًا عن منطق الهيمنة والإقصاء.
الرّد بالكتابة: جراحُ الذاكرة الاستعمارية
يُشكّل "الرّد بالكتابة" في التأليف ما بعد الكولونيالي أحد أهم الأشكال الإبداعية التي تسعى إلى تفكيك آثار الذاكرة الاستعمارية وإعادة مساءلتها، باعتبارها ذاكرة مثقلة بجراح مادية ورمزية لا تزال امتداداتها حاضرة في الواقع المعاصر. فالمرحلة الاستعمارية لم تكن مجرد لحظة تاريخية عابرة، وإنما شكّلت بنية عميقة من العنف الرمزي والمادي، وأنتجت آثارا طويلة الأمد تتجلى في استمرار أنماط الهيمنة التقليدية، كما في حالة فلسطين، أو في أشكال الاستعمار الجديد التي تتّخذ أبعادا اقتصادية وثقافية ولغوية أكثر خفاءً وتعقيدا. يصبح، من هذا المنظور، استدعاء الماضي الاستعماري في الكتابة الروائية فعلاً نقدياً يهدف إلى تفكيك صمت التاريخ الرسمي واسترجاع مكانة الأصوات التي هُمّشت أو أُقصيت من الذاكرة الجماعية.
أسهم إدوارد سعيد في التأكيد على دور التابعين والمستضعفين في الرّد على السرديات الاستعمارية الاستشراقية التي أصدرت أحكاما جاهزة ومزيّفة عن الشرق لتسهيل عملية احتلاله واستغلاله بترسيخ التفوق العرقي الغربي. في هذا المنحى، اضطلع سعيد بدور بارز في تفكيك خطاب الاستشراق، والتأسيس لنظرية الاستعمار وما بعد الاستعمار. يركز الداهي على السيرة الذاتية "خارج المكان" التي يستعيد فيها سعيد نشأته وطفولته ومساره التكويني الذي تداخلت فيه هويات متعددة، ومرجعيات مركبة شكّلت "هويته المضطربة" التي تقع بالضبط "خارج المكان". بحيث كان يشعر دوما بالاغتراب؛ اغتراب مكاني ولغوي وهوياتي، بيد أن هذا الوضع مكّنه من تقوية شخصيته المرنة، وفكره الرصين، إذ "أسعفه ترحاله أو العيش خارج المكان في تكوين هويته الممتدة والحركية التي تحضه أكثر على تحطيم الحدود الوهمية، وممارسة النقد بحرية، ومساءلة السلطة المتعسفة أيا كان مصدرها ونفوذها، وفضح الصورة النمطية والسطحية التي يحملها الأمريكيون عن الإنسان العربي"[10]. انتمى سعيد وجدانيا وفكريا لثقافة الفضاء الثالث ضمن موقعِ إنسانٍ منفيٍّ بعيدٍ عن وطنه، وهو ما دفعه للانخراط في دفاعه عن قضية بلاده فلسطين، والرّد على السرديات الاستيطانية الصهيونية، والاعتزاز بهويته الوطنية والتاريخية والثقافية متسلحا بثقافة طِباقية مضادة، وسرد مقاوم يدحض المزاعم العرقية والعنصرية الساعية لاجتثاث الذاكرة الفلسطينية، وطمس معالم التاريخ، وتطهير الأرض من سكانها الأصليين.
يلاحظ محمد الداهي أن إدوارد سعيد يقف عند جراح مادية ورمزية كثيرة يتداخل فيها الذاتي بالجمعي، مثل مكابدته من الترحال المستمر بين القدس والقاهرة ونيويورك، ومعاناته مع مرض السرطان الذي ألمّ به في أواخر حياته، وإحساسه بالوجع الوطني بعد النكبة والنكسة وما تلاهما من أوضاع مأساوية زادت من تأزيم الوضع الفلسطيني على جميع الأصعدة. يبدو أن الجرح الاستعماري يشكّل قاسما مشتركا بين مختلف التجارب التي يتوقف عندها الباحث؛ فإذا كان إدوارد سعيد قد عبّر عن معاناة شخصية وجماعية نتجت عن المنفى والاقتلاع وفقدان الوطن، فإن عبد الرزاق قرنح ينقل بدوره آثار الاستعمار وما خلّفه من جراح مادية ورمزية عميقة في المجتمع التنزاني خلال الاستعمار الألماني(1886-1919) والإنجليزي(1919-1961). وهكذا تتقاطع التجربتان في الكشف عن تداعيات الهيمنة الاستعمارية على الإنسان، سواء بالإحساس بالغربة والتمزق الهوياتي أو بتصوير معاناة الشعوب المستعمرة واللاجئين وما يرافقها من فقدان للانتماء والاستقرار، مما يجعل الأدب فضاءً لاستعادة الذاكرة الجماعية والتعبير عن آلام المقهورين والمهمشين.
لقد ألّف قرنح رواياته باللغة الإنجليزية للرد على المستعمِر بتوظيف لغة الإمبراطورية ذاتها. يركز كتاب "الرّد بالكتابة" على إعادة تعيين موضع اللغة في السياق ما بعد الاستعماري، إذ يرى أن اللغة أداة تفرض بواسطتها الإمبراطورية هيمنتها الثقافية والفكرية على الشعوب المستعمَرة. لذلك فإن الكتابة ما بعد الكولونيالية تسعى إلى التحرر من هذه الهيمنة بتملّك اللغة الاستعمارية واستخدامها لأغراض مخالفة للمعايير المعتمدة. يُعرَّف أدب ما بعد الاستعمار بالتعامل مع لغة المركز الاستعماري بطريقتين متكاملتين؛ تتمثل الأولى في الإقصاء، وهو رفض الامتياز الذي منحته الإمبراطورية للغة الإنجليزية بوصفها النموذج الصحيح والوحيد للتعبير. لا يحيل الإقصاء على التخلي عن اللغة الإنجليزية أو عدم استعمالها، وإنما يعني رفض السلطة التي تدّعي امتلاك المعايير اللغوية والجمالية المطلقة. ومن خلال هذه العملية يتم التشكيك في المفاهيم التي كرّست تفوق ثقافة المستعمِر واعتبارها المقياس الذي تُقاس به بقية الثقافات.
أما العملية الثانية فهي الاستيعاب، وتعني امتلاك لغة المركز وتشكيلها بما يخدم الواقع الثقافي والاجتماعي للشعوب المستعمَرة. فالكاتب ما بعد الكولونيالي لا يكتفي برفض سلطة اللغة الاستعمارية، بل يوظفها بطريقة جديدة تجعلها قادرة على التعبير عن تجربته الخاصة. ويتجلى ذلك في إدخال المفردات المحلية والتعابير الشعبية والعادات الثقافية داخل النصوص المكتوبة بلغة المستعمِر؛ بما يؤدي إلى إنتاج لغة هجينة تحمل بصمة الهوية الوطنية والثقافية للمجتمع الذي يستخدمها. يسمي الداهي هذا الأمر ب"تملك لغة الإمبراطورية"، وتهجينها "حتى تستوعب التنويعات والفروق اللغوية المحلية، وتندّ عن وهم النقاء أو الصفاء اللغوي، وتشكّل أحاسيس ووجهات النظر بمكان مختلف، عادة ما يُنعت بالهامش"[11]. وهكذا، عمد الروائي قرنح إلى توظيف عبارات من اللغة السواحلية التي تتضمن في بعض الأحيان تراكيب عربية لتعزيز البعد التهجيني.
تكشف العلاقة بين الإقصاء والاستيعاب عن استراتيجية مقاومة ثقافية متكاملة؛ فالإقصاء يهدم سلطة المركز ويزعزع ادعاءه امتلاك الحقيقة والمعيار، بينما يعمل الاستيعاب على بناء خطاب بديل يمنح الشعوب المستعمَرة القدرة على التعبير عن ذاتها من داخل اللغة التي كانت أداة للسيطرة عليها. وبهذا تتحول اللغة من وسيلة للهيمنة إلى وسيلة للمقاومة وإثبات الهوية. ومن هنا، تصبح الكتابة ما بعد الكولونيالية مشروعاً لبناء الذات الثقافية واستعادة حق الشعوب في تمثيل نفسها والتعبير عن تجربتها الخاصة[12].
يبرز الداهي أن روايات عبد الرزاق قرنح تنتمي إلى الأدب ما بعد الكولونيالي الذي يسعى إلى مقاومة الهيمنة الاستعمارية والثقافية بالتمرد على المواضعات اللغوية المكرّسة، خاصة اللغة الإنجليزية المعيارية، من خلال تطويعها وإغنائها بمفردات وتراكيب مستمدة من اللغة السواحلية، مما يمنح الأقليات العرقية والدينية فضاءً للتعبير عن هويتها الخاصة. كما يعيد قرنح تمثيل الماضي الاستعماري برؤية نقدية جديدة تطرح أسئلة مغايرة حول آثار الاستعمار وتداعياته على الأفراد والمجتمعات. يتجلى هذا التوجه في تصوير التوتر الهوياتي والثقافي واللغوي الذي يعيشه الأفراد على الحدود بين ثقافات متعددة. لا يتوقف الرّد بالكتابة عند كتّاب الهامش، إذ هناك عدة مؤلِّفين ينتمون إلى المركز، لكنهم يناصرون بأعمالهم الهامش، ويجابهون النظرة الاستعمارية التي تحطّ من قيمة المستعمَر ومكانته، وتُفرغ ذاكرة الآخر من حمولتها الحضارية والثقافية بتعزيز عناصر تخلُّفّها وغرائبيّتها. يسجل الباحث أن الروائي جون ماري لوكليزيو يقدّم -في روايته "صحراء"- نمطا جديدا من الكتابة "يرد على مزاعم السرديات الكولونيالية، ويتخذ المسافة اللازمة حيال الصور المسكوكة والقوالب الجاهزة التي ما فتئت تُروّجها عن الآخر"[13]، وذلك بخلوّ كتابته من الألفاظ الجارحة، والنعوت المسيئة، والحقائق المموّهة، والإسقاطات الخارجية المتحيّزة للحضارة الراقية(الغرب) مقابل الحضارة المتخلّفة(الصحراء)، بقدر ما مثّل الآخر على حقيقته وتلقائيته، وبيَّن الدافع الأساس للمعمّر الفرنسي في الصحراء المتمثل في جني الأرباح، وليس في تعميرها وتحديثها كما يزعم.
على سبيل الختم
نخلص من هذه القراءة إلى مجموعة من الخلاصات والملاحظات نوردها فيما يلي:
أ - توزّع كتاب "جراح السرد: صدمة الغيرية والرد بالكتابة" إلى محورين كبيرين؛ يختص الأول ببيان الصور النمطية والمسكوكة التي تصوغها الإمبراطورية في تمثيلها للشعوب المستعمرة والمضطهدة، وينهض الثاني على الرّد بالكتابة ضد الرواية الكولونيالية وسردها الخادم للمنظومة الاستعمارية، وبين هاذين المحورين تنكشف العلاقة بين الأنا والآخر التي تأخذ في أغلب الأحيان بُعدا صداميّا.
ب ـ يعرض الناقد محمد الداهي مفهوم العقد السردي باعتباره إحدى وسائل الاستعمار لترسيخ هيمنته على الشعوب المستعمرة، إلى جانب العقد الاستعماري والعقد العرقي. فقد عملت الدول الاستعمارية، بعد الاتفاق على اقتسام إفريقيا، منذ مؤتمر برلين سنة 1885، على تبرير احتلالها بواسطة سرديات تدّعي نشر الحضارة والتنمية، بينما كان هدفها الحقيقي استغلال الثروات وإخضاع الشعوب. كما فرضت لغاتها وثقافتها لضمان استمرار التبعية حتى بعد الاستقلال، مما أدى إلى ظهور الاستعمار الجديد القائم على السيطرة الثقافية والاقتصادية. وفي المقابل، بدت سرديات مضادة تدعو إلى مقاومة الهيمنة، واستعادة الهوية الوطنية، وتعزيز تقرير المصير بتملك لغة المستعمر وتهجينها، وإسماع أصوات الضحايا، وإعادة كتابة تاريخهم من منظورهم. يُشبّه الداهي مهمة الروائي، في هذا المنحى، بمهمة الطبيب الذي يقوم "بتضميد جراح الضحايا"، و"مهمة الإخباري" الذي يوثّق جرائم الاستعمار ويعيد الاعتبار للمهمشين.
ب ـ يبين الباحث أن اللغة تمتلك قدرة كبيرة على التأثير في الأفراد وإلحاق الأذى النفسي والرمزي بهم، وليس مجرد وسيلة للتواصل. فقد تبادلت الشعوب عبر التاريخ أوصافًا مهينة للحطّ من قيمة بعضها بعضًا وإبراز التفوق العرقي أو الثقافي، كما ساهمت الحروب والاستعمار والصراعات في ترسيخ خطاب الكراهية والإقصاء، ما أدى إلى تنامي الحركات المتطرفة التي تدعو إلى رفض الآخر والانغلاق على الذات. وفي المقابل، يؤكد الداهي أن اللغة يمكن أن تكون أداة للتقارب وبناء السلام إذا استُعملت معجميات قائمة على الاحترام والتقدير والاعتراف بالآخر. فاعتماد خطاب منفتح ومتسامح يسهم في تضميد الجراح التي خلفتها الصراعات، ويعزز ثقافة الحوار والتعايش بين الشعوب، ويشجّع على التعاون وتحقيق المصالح المشتركة.
ج - يتميز الكتاب بتنظيمه المحكم؛ إذ جاء بناؤه متدرّجًا ومنسجمًا، ينتقل من تأصيل المفاهيم النظرية المرتبطة بالاستعمار وما بعد الاستعمار، مثل العقد الاستعماري (الاستحواذ على الدول واستغلالها)، والعقد العرقي(تثبيت التفوق العرقي الغربي) والعقد السردي(تكريس سرديات الإمبراطورية)، إلى تطبيقها على نماذج روائية وسيرذاتية متنوعة. كما حرص المؤلف على الربط بين الفصول والأفكار بخيط ناظم يجعل الكتاب وحدة فكرية متماسكة، حيث تتكامل المفاهيم مع الأمثلة والتحليلات، فينتقل القارئ من فهم الأسس النظرية إلى استيعاب تجلياتها في المتون الأدبية دون انقطاع أو تكرار. من هنا، يجمع جراح السرد بين عمق الرؤية ودقة التحليل، ويكشف عن خبرة علمية واسعة وإحاطة متميزة بقضايا السرد وأسئلته المركبة. كما تشدّ لغته النقدية الرفيعة، إلى جانب ثراء مادته العلمية، انتباه القارئ، وذلك باستطاعتها تحقيق توازن بين الصرامة الأكاديمية والمسعى التداولي، فبدت المفاهيم والإجراءات النقدية منسجمة مع السياقات التي تشتغل عليها، دون تعقيد أو غموض. كما انطوت المقاربة النقدية المعتمدة على تمثّل دقيق لمرجعيات الخطاب الاستعماري وما بعد الاستعماري، وعمقٍ واضحٍ في قراءة النصوص بقدرتها على النفاذ إلى طبقاتها الدلالية والثقافية والرمزية، بعيدًا عن الأحكام الجاهزة أو القراءات الاختزالية. لذلك لا يكتفي الكتاب بوصف الظواهر السردية، بل يسعى إلى مساءلتها وتأويلها والكشف عن رهاناتها الجمالية والفكرية، مما يجعله إضافة نوعية إلى حقل الدراسات السردية والثقافية العربية.
[1] - محمد الداهي، جراحُ السرد، صدمة الغيرية والرّد بالكتابة، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء، 2026، ص 23.
[2] - نفسه، ص23.
[3] - نفسه، ص81.
[4] -نفسه، ص12.
[5] - نفسه، ص 14.
[6] - نفسه، ص53.
[7] - نفسه، ص155.
[8] - نفسه، ص130.
[9] - نفسه، ص126.
[10] نفسه، ص195.
[11] - نفسه، ص274.
[12] - بيل أشكروفت، غاريث غريفيث، وهيلين تيفن، الرّد بالكتابة، النظرية والتطبيق في آداب المستعمرات القديمة، ترجمة شهرت العالم، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2006، ص73 وما بعدها.
[13] - جراح السرد، ص235.
صدور الجزء الثاني من المجموعة القصصية "أقلام على موعد مع النور"…
عزيز لحديد السباعي
ثمرة ثماني سنوات من الرهان على القراءة والإبداع
في خطوة ثقافية جديدة تؤكد أن المدرسة المغربية قادرة على صناعة الجمال وصقل المواهب، أعلن نادي عكاظ للإبداع الأدبي والفني بالثانوية الإعدادية المروة الرائدة بجماعة الشلالات، التابعة للمديرية الإقليمية بالمحمدية، والأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين الدار البيضاء – سطات، عن صدور الجزء الثاني من المجموعة القصصية "أقلام على موعد مع النور"، التي تضم باقة من النصوص الإبداعية لمتعلمات ومتعلمي المؤسسة، تحت إشراف وتنسيق الأستاذ عزيز لحديد السباعي، أستاذ اللغة العربية.
ولم يكن هذا الإصدار وليد لحظة عابرة، بل هو حصيلة مسار تربوي وثقافي امتد عبر ورشات منتظمة في القراءة والكتابة، انطلقت من غرس حب الكتاب في نفوس المتعلمين، ثم انتقلت بهم إلى مغامرة الإبداع، حيث تحولت القراءة إلى وعي، والوعي إلى قلم، والقلم إلى نصوص تنبض بالحياة وتبشر بجيل يؤمن بأن الكلمة الجميلة قادرة على صناعة المستقبل.
ويجسد هذا العمل رؤية تربوية تؤمن بأن الأندية التربوية والأنشطة الموازية ليست أنشطة هامشية، بل فضاءات حقيقية لبناء الشخصية، واكتشاف الطاقات، وتنمية الحس النقدي والجمالي، حتى يصبح المتعلم فاعلا في مجتمعه، ومساهما في خدمة وطنه بعلمه وإبداعه.
ويذكر أن نادي عكاظ للإبداع الأدبي والفني تأسس خلال الموسم الدراسي 2017/2018 بمبادرة من الباحث في السيميائيات ومناهج تحليل الخطاب، الأستاذ عزيز لحديد السباعي، الذي جعل من النادي ورشة مفتوحة للإبداع، وفضاء تربويا يحتضن المواهب ويؤمن بأن القراءة هي الخطوة الأولى نحو الكتابة، وأن الإبداع يبدأ من مقاعد الدراسة.
كما جاء هذا النجاح ثمرة للدعم المتواصل الذي وفرته السيدة هند عبود، مديرة المؤسسة، التي واكبت المشروع الثقافي للنادي، وآمنت بأهميته في الارتقاء بالحياة المدرسية، فكان لتشجيعها وحكمتها الإدارية أثر واضح في إنجاح هذا المنجز الثقافي.
ولم يفت النادي أن يعبر عن بالغ امتنانه لـ جامعة المبدعين المغاربة، ولرئيسها الشاعر محمد اللغافي، تقديرا لما قدموه من دعم ومواكبة للمبادرات الإبداعية التي تحتفي بالمواهب المدرسية.
ويعد هذا الإصدار محطة جديدة في المسار الثقافي للنادي، بعد النجاح الذي حققه الجزء الأول من "أقلام على موعد مع النور" خلال الموسم الدراسي 2024/2025، ليأتي الجزء الثاني في الموسم 2025/2026 شاهدا على استمرارية المشروع، وتجدد رسالته، واتساع دائرة الإبداع بين صفوف المتعلمات والمتعلمين.
إنها ليست مجرد مجموعة قصصية جديدة، بل شهادة حية على أن المدرسة، حين تفتح أبوابها للكتاب، تمنح الوطن جيلا يكتب قبل أن يتكلم، ويبدع قبل أن يطلب التصفيق، ويؤمن بأن النور يبدأ دائما من قلم.
جمعية محترف راشيا تستقبل رئيس بلدية لالا ونائب الرئيس ومدير مركز عمر المختار التربوي
استقبل رئيس "جمعية محترف الفن التشكيلي للثقافة والفنون" في راشيا شوقي دلال في مقر الجمعية راشيا الوادي رئيس بلدية لالا جميل عميري ونائب رئيس البلدية نصر الدين جمعة ، ومدير مركز عمر المختار التربوي الكاتب والمربي محمد نجم الدين، في لقاء ثقافي وإنمائي تناول سبل تعزيز التعاون بين المؤسسات الثقافية والبلدية، بما يخدم التنمية المحلية ويعزز حضور الثقافة في المجتمع.
وفي مستهل اللقاء، رحّب دلال بالضيوف مقدماً لهم نسخة من كتابه "والشيء بالشيء يُذكر"، كما استعرض مسيرة الجمعية وما حققته من إنجازات ونشاطات ثقافية وفنية وتراثية على امتداد أكثر من ثلاثة عقود ونيّف مؤكداً أن الجمعية ستبقى حاضنة للإبداع ومنبراً للمبادرات الثقافية الهادفة.
وأشاد دلال برئيس بلدية لالا الأستاذ جميل عميري وبالمجلس البلدي، مثنياً على الجهود الإنمائية التي تبذلها البلدية للنهوض بالبلدة سواء على المستوى المحلي أو من خلال التواصل المستمر مع أبناء لالا في بلاد الاغتراب، واعتبر أن الجولة الأخيرة التي قام بها رئيس البلدية في عدد من دول الاغتراب شكّلت مبادرة رائدة أسهمت في توطيد أواصر العلاقة بين المغتربين وبلدتهم الأم، وجمع شمل أبناء لالا حول مشروع إنمائي واجتماعي جامع يعكس روح الانتماء والمسؤولية، كما نوّه بالنشاط السياحي المرتقب إقامته في بلدة لالا الشهر المقبل مؤكداً أن هذه البلدة العريقة تستحق كل اهتمام لما تمتلكه من مقومات طبيعية وتراثية وإنسانية، ولما تزخر به من طاقات خلاقة قادرة على صناعة مستقبل واعد.
كما نوّه دلال بالدور التربوي والثقافي الذي يؤديه الكاتب والمربي الأستاذ محمد نجم الدين، مشيداً بقيادته الحكيمة لمركز عمر المختار التربوي الذي أصبح نموذجاً يحتذى في العطاء التربوي والرسالة التعليمية على مستوى لبنان، مثنياً على حضوره الفكري والثقافي وإسهاماته الهادفة في ترسيخ قيم العلم والمعرفة وبناء الأجيال.
وفي ختام اللقاء، قدّم دلال لضيوفه إصدارات الجمعية، مؤكداً أن التعاون بين المؤسسات الثقافية والبلديات والمراكز التربوية يشكل ركيزة أساسية في مسيرة التنمية المستدامة، فيما أعرب الضيوف عن تقديرهم للدور الريادي الذي تضطلع به "جمعية محترف راشيا" في خدمة الثقافة والفنون وصون التراث، مؤكدين أهمية استمرار هذا النهج الذي يجمع بين الثقافة والإنماء في خدمة الوطن والإنسان
مركز فِكر: أهمية الإضاءة على يوم المتاحف
أشار المركز الدولي للملكية الفكرية – فِكر، في يوم المتاحف، إلى ضرورة الإضاءة على البُعد الثقافي الفكري لتاريخ لبنان وأهمية زيارة المواقع الأثرية والمتاحف الموزعة على الأراضي اللبنانية. وفي هذا السياق، وفي لقاء مع رئيس المركز المحامي شادي أبو عيسى، اعتبر أن هذا اليوم يُشكل ذاكرة ثقافية يقتضي الاستفادة منها ونشر الوعي الثقافي في المجتمع رغم الصعوبات المتعددة التي تمر بها البلاد، إذ لا يجب الاستسلام ولبنان سيظل منبعاً للحرية والثقافة والفكر واللقاء رغم كافة الصعاب.
الشاعران الدكتور عناد جابر والأستاذ ناظم حسون في زيارة الدكتور حاتم جوعيه
خبر ثقافي للنشر من: الشاعر والإعلامي الدكتور حاتم جوعيه - المغار - الجليل –
زارني ظهر يوم الأربعاء ( 8 / 7 / 2026 ) في بيتي في مدينة المغار – الجليل - الشاعر الدكتور عناد جابر من قرية كفر ياسيف والشاعر والكاتب ناظم حسون من مدينة شفا عمرو - المسؤولان عن إدارة منتدى عكاظ الادبي والثقافي . ودار الحديث بيننا في مواضيع وقضايا أدبية وثقافية شاملة، وتمَّ الاتفاق على التعاون المشترك في إقامة أمسيات وندوات أدبية وثقافية في عدة أماكن في البلاد . وقام كلٌّ منهما بإهدائي نسخا من كتبه وأعدادا من مجلة عكاظ الفصليَّة التي يصدرانها. وأهديتهما أنا أيضا بدوري، نسخا من كتابين صدرا لي مؤخرا، وهما: ديوان شعر بعنوان : باقات وجدانيّة وكتاب دراسات في أدب الأطفال المحلي.
جمعية محترف راشيا" تهنئ الدكتورة غادة الأحمدية أبو لطيف لنيلها الدكتوراه بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف
توجّه رئيس "جمعية محترف راشيا" شوقي دلال باسم الجمعية وتجمع البيوتات الثقافية في لبنان، بالتهاني إلى الدكتورة غادة الأحمدية أبو لطيف لمناسبة نيلها درجة الدكتوراه في اللغة الإنجليزية وآدابها من جامعة الروح القدس الكسليك، بعد مناقشة أطروحتها العلمية بعنوان: "الخطاب السياسي النسوي الكندي في حقبة ما بعد الحداثة: مقاربة أسلوبية نقدية ، دراسة حالة لخطابات رونا أمبروز بين عامي 2015 و2017"، وحصولها على تقدير ممتاز مع مرتبة الشرف.
وجرت المناقشة بإشراف البروفيسور طلال وهبي أمام لجنة علمية برئاسة العميدة البروفيسورة رانيا سلامة وعضوية الدكتور ربيع نبهان، والبروفيسورة جانيت أيوب، والدكتورة ريما بحوث، والدكتورة ريما صويدي، حيث أشادت اللجنة بالأطروحة لما تميزت به من أصالة وعمق علمي ومنهجية بحثية رصينة في مقاربة الخطاب السياسي النسوي المعاصر. وقد خلصت الباحثة إلى أن الخطاب المحافظ لرونا أمبروز حافظ على القيم الأخلاقية والعقلانية الحداثية في مواجهة تحولات ما بعد الحداثة ما منح الدراسة قيمة أكاديمية متميزة. وفي ختام المناقشة قلدت العميدة رانيا سلامة الدكتورة غادة وسام جامعة الروح القدس تقديراً لتفوقها العلمي.
وقال رئيس الجمعية شوقي دلال الذي حضر المناسبة: إن هذا الإنجاز يشكل مصدر فخر واعتزاز ولا يكرّم الدكتورة غادة الأحمدية أبو لطيف فحسب، بل يكرّم أيضاً بيت الثقافة والعلم والإبداع بيت البروفيسور شوقي أبو لطيف الذي كان ولا يزال منارة للفكر والمعرفة ورسّخ الإيمان بأن الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان والعلم والثقافة. وما حققته الدكتورة غادة يضيف صفحة مشرقة إلى سجل الكفاءات اللبنانية التي ترفع اسم الوطن في المحافل الأكاديمية".
وختم دلال متمنياً للدكتورة غادة دوام النجاح والعطاء وللبروفيسور شوقي أبو لطيف وعائلته الكريمة مزيداً من الرفعة والتوفيق، مؤكداً أن لبنان سيبقى غنياً بعقول أبنائه المبدعين الذين يصنعون بالعلم مستقبلًا أكثر إشراقاً"...
رواية "ورد الشام" لـ سعيد نفّاع تحطّ رحالها في طرعان
خصّص نادي القراء في طرعان لقاءه الشهري يوم 8.7.26 لمناقشة رواية "ورد الشام- حكاية الكفّ الأخضر الثورة المنسيّة" لـ سعيد نفّاع. الرواية تتناول ثورة الكفّ الأخضر ضد الاستعمارين البريطاني والفرنسيّ والاستيطان الصهيوني؛ الثورة المسلّحة الأولى في فلسطين، والتي امتدّ نشاطها على كامل تراب شمال فلسطين وكانت انطلقت عام 1929 بعد أن كان بعض أفرادها أطلقوا عمليّتهم الأولى عام 1919 في طلحة (تل - حاي) في أقصى شمال فلسطين، وكان شارك بعض أفرادها في الثورة العربيّة السوريّة الكبرى عام 1925.
افتتحت اللقاء مديرة المكتبة العامة في طرعان السيّدة نيروز عدويّ، ثمّ طُرحت المداخلات من المشاركين تناول كلّ منها جانبًا من جوانب الرواية والتي غلب عليها الإشارة إلى غياب هذه الثورة عن روايتنا الفلسطينيّة الجمعيّة. وقدّم خلال اللقاء كلّ من د. روز شعبان والكاتب فادي أبو شقارة مداخلتين مطوّلتين ضافيتين. (ستنشر المداخلات تباعًا). هذا وشارك في اللقاء ضيوفًا كلّ من الكتّاب: ناجي ظاهر ويوسف حجازي ومصطفى عبد الفتّاح.
*** مداخلة الكاتب فادي أبو شقارة:
رواية ورد الشام... أنّها تتعامل مع الذاكرة بوصفها جوهر الحكاية. فالرواية لا تكتفي بسرد أحداث من الماضي، وإنما تحاول أن تستعيد ما كاد يتبعثر بين الحكاية الشفوية والوثيقة المكتوبة. ورد الشام، في هذا السياق، لا تبدو مجرد جدة تروي، إنما تتحول إلى رمز لذاكرة البيت والعائلة والقرية والثورة. ومن خلال صوتها، إلى جانب مذكرات سليم، ينجح سعيد نفاع في تحويل الحكاية إلى فعل حفظ ومقاومة للنسيان.
ومن الذاكرة نصل إلى المكان، لأن الرواية تدرك أن الذاكرة تحتاج إلى أرض تحملها، وأسماء تحفظ ملامحها. لذلك لا تمر أسماء القرى والطرق والعيون والجبال كتفاصيل عابرة، وإنما تظهر كجزء أساسي من بناء المعنى. المكان في ورد الشام حاضر كأنه شخصية لها وجعها وحقها في البقاء. وحين يكثر الكاتب من تسمية الأماكن، فهو لا يضيف معلومات جغرافية فحسب، وإنما يعيد إلى المكان اسمه، ويؤكد أن التسمية نفسها شكل من أشكال مقاومة المحو.
لا تأخذنا إلى تاريخ بعيد وغريب، إنما تعيدنا إلى تاريخ قريب إلى درجة محرجة. أحداث كثيرة في الرواية تجري في جغرافيا نعرف أسماءها، أو نمرّ بقربها، أو ننتمي إلى امتدادها، ومع ذلك نكتشف أثناء القراءة كم أنّ معرفتنا بها ناقصة. هنا تكمن قوة الرواية: إنّها لا تعرّفنا إلى الماضي فقط، إنّما تكشف لنا فجوة علاقتنا بهذا الماضي. تجعل القارئ يسأل نفسه: كيف استطاعت حكايات بهذا القرب أن تغيب؟ وكيف صارت بعض الثورات، وبعض القرى، وبعض الأسماء، كأنها هامش في الذاكرة مع أنها جزء من أصل الحكاية؟
ومن هذه النقطة تحديدًا تأتي أهمية ورد الشام كشخصية. فهي لا تظهر كجدة تروي للتسلية أو للحنين، إنما كصاحبة معرفة من نوع آخر؛ معرفة لا نجدها دائمًا في الكتب، ولا في الروايات الرسمية للتاريخ. حضورها يمنح الحكاية سلطة البيت، وسلطة الذاكرة الشفوية، وسلطة من عاشوا الوجع أو ورثوه عن قرب. لذلك يصبح كلام الجدة في الرواية أكثر من استرجاع للماضي؛ يصبح طريقة لمساءلة التاريخ المكتوب نفسه. كأن النص يقول إن الوثيقة وحدها لا تكفي، وإن ما يُحفظ في صدور الجدات قد يحمل من الحقيقة الإنسانية ما لا تحمله السجلات.
أما الملاحظة الثالثة، فهي أن سعيد نفاع لا يكتب التاريخ من أعلى، من جهة المعارك والعناوين الكبرى فقط، إنما يكتبه من داخل الحياة اليومية. التفاصيل الصغيرة في الرواية، من لهجة الناس، إلى العتاب، إلى الأهازيج، إلى أسماء الخيل، إلى البيوت والطرقات، تمنح التاريخ جسدًا وروحًا. لذلك لا نشعر أن الشخصيات تتحرك داخل درس تاريخي، إنما داخل عالم حيّ له رائحته وصوته وقسوته ودفؤه. وهذه في رأيي من أجمل نقاط الرواية: أنها تجعلنا نفهم أن الذاكرة لا تبقى عبر الأحداث الكبرى وحدها، وإنما عبر التفاصيل التي تبدو صغيرة، ثم نكتشف أنها هي التي تحفظ صورة العالم كما كان.
فادي أبو شقارة
الطّابة والغابة - وهيب نديم وهبة
شرارةٌ من سكّةِ الحديد، تُشعل غابةً. قِصّةٌ مُعدّةٌ للأطفالِ، ما بين الكشفِ والغُموضِ والخَيَالِ.
براعةُ الرّيشَةِ المُنسَابَةِ مَع الكَلِماتِ المُكَثَّفَةِ بِالثّقافَةِ... أبدعَت الرُّسُوماتُ المُحَلِّقَةُ بِالخَيَالِ وَحَرارَةِ النَّارِ وَالدَّخانِ الكَثيفِ... ما بينَ اللّعِبِ وَالخَوفِ وَالوَاقِعِيَّةِ الغَارِقَةِ بِالرَّونَق وَالجّمال.
كَعَادَتي؛ يُنتِجُ حَقلِيّ الأدَبيُّ مَحصُولَهُ السَّنَوِيَّ. قِصّةٌ في الخَيَالِ العِلْمِيّ، وَكَانَت الرَّاقِصَ الذَّهَبِيّ -2026- (الخَيَالُ العِلمِيُّ، وَالذَّكَاءُ الاصطِناعي)، وَقِصَّةٌ مُتَرجَمَةٌ لِلُغَةِ أجنَبِيَّةٍ تَصدُرُ قَريبًا. وَهُنَا مَعَ هَذا الإصدَارِ- 2026–الطَّابَةُ وَالغَابَةُ- قِصَّةٌ وَاقِعِيَّةٌ، مَا بَيْنَ الكَشفِ وَالغُمُوضِ.
الطَّاقَمُ الكَامِلُ لِهذَا الإِصدَارِ- الطَّابَةِ وَالغَابَةِ.
المُؤَلِّفُ: وهيب نديم وهبة
الرُّسُومَاتُ: مريم الرفاعي
التَّصمِيمُ وَالإِعدَادُ: آلاء مارتِيني
المُرَاجَعَةُ وَالتَّدقِيقُ اللُّغَوِيَ: محمود مرعِي
النَّاشِرُ: عبد زحالقة – 2026.
جمعية محترف راشيا تستقبل تجمع الصناعيين في البقاع في "بيت حرمون" – جبل حرمون
استقبل رئيس "جمعية محترف راشيا" شوقي دلال في البيت السياحي "بيت حرمون" في منطقة اليابسة على سفوح جبل حرمون، وفداً من تجمع الصناعيين في البقاع برئاسة الأديب والصناعي الأستاذ نقولا أبو فيصل يرافقه عدد من أعضاء التجمع، وذلك في إطار جولة هدفت إلى التعرف على هذا المشروع السياحي البيئي الذي يجمع بين أصالة المكان وجمال الطبيعة، ويقدم نموذجاً واعداً للسياحة الريفية في لبنان.
ورحّب رئيس الجمعية شوقي دلال بالوفد معرباً عن بالغ اعتزازه بهذه الزيارة التي وصفها بأنها محطة مضيئة في مسيرة "بيت حرمون"، وقال: "يشرفنا أن نستقبل قامة وطنية بحجم الأستاذ نقولا أبو فيصل الذي استطاع أن يجمع بين الريادة في الصناعة والإبداع في الأدب وأن يترك بصمة مشرقة في مسيرة الاقتصاد اللبناني إلى جانب حضوره الثقافي والإنساني الرفيع، كما نعتز بزيارة أعضاء تجمع الصناعيين في البقاع الذين أغنوا هذا اللقاء بحضورهم الكريم وأكدوا أن الصناعة والثقافة والسياحة يمكن أن تلتقي في مشروع واحد يخدم الإنسان والوطن."
وأضاف دلال: "إن بيت حرمون هو بيت مفتوح قلبه لكل لبناني ولكل عربي، يحتضنه جبل حرمون بما يحمله من رمزية تاريخية وروحية وبيئية، ويقع في منطقة تُعد من أنقى مناطق لبنان هواءً وأكثرها صفاءً، بما تمتاز به من مناخ جاف وطبيعة بكر وسهول خصبة عُرفت تاريخياً بكروم الجبل، ومن هنا نطمح إلى أن يكون هذا المشروع محطة لكل من يبحث عن الجمال والسكينة والأصالة وأن يساهم في إعادة تسليط الضوء على المقومات السياحية الفريدة التي تختزنها راشيا وجبل حرمون"..
من جهته، عبّر رئيس تجمع الصناعيين في البقاع الأستاذ نقولا أبو فيصل عن إعجابه العميق بالمشروع، معتبراً أن "بيت حرمون" ليس مجرد مقصد سياحي، بل تجربة إنسانية متكاملة يجد فيها الزائر صفاء الطبيعة وعبق التاريخ وسكينة الجبل، وأكد أن بعض الأماكن لا تستقبل زائرها كضيف بل كصديق كان ينتظره منذ زمن، مشيراً إلى أن منطقة اليابسة بما تتمتع به من هواء نقي خالٍ من الرطوبة وإطلالتها الآسرة على جبل حرمون تشكل وجهة سياحية استثنائية تستحق أن تكون على خريطة السياحة اللبنانية والعربية لما تمنحه لزوارها من راحة للنفس وغنى للروح.
وفي ختام الزيارة، جال الوفد في أرجاء "بيت حرمون" وتعرّف إلى مرافقه وإلى الرؤية التي يقوم عليها المشروع والتي تسعى إلى ربط السياحة بالتراث والثقافة والبيئة بما يسهم في تحريك عجلة التنمية المحلية وإبراز الوجه الحضاري لمنطقة راشيا وجبل حرمون، مؤكدين أهمية دعم المبادرات التي تستثمر في جمال لبنان وتاريخه وإنسانه، وتفتح آفاقًا جديدة للسياحة المستدامة والتنمية الاقتصادية في المناطق
وفي الختام قدم ابو فيصل لدلال والحضور إصداراته الأدبية.
جدلية الحضور والإيقاع: تفكيك المقدس في ترانيم رمزي بشاره بين السيميائيات والأنطولوجيا
بقلم/آبانوب لويس
…………………………………
1- الإيقاع والجسد (الأنطولوجيا الجسدية(
عادة ما ترتبط الترانيم بالروحانيات المجردة، لكن تجربة بشاره تعيد الاعتبار للجسد عبر الإيقاع. الإيقاع هنا ليس مجرد أداة جمالية، بل هو فلسفة وجودية تعيد تعريف لحظة اللقاء الإلهي، فالتكرار الموسيقي يخلق حالة من "التجويد الجسدي" للكلمة، مما يجعل المعنى يُختبر جسدياً قبل أن يُفهم عقلياً. يمكن مقارنة ذلك بمفهوم "الاختلاف والتكرار" عند الفيلسوف جيل دولوز.
وعند جيل دولوز،الاختلاف قبل الهاويه يرى ان الاختلاف هو الاصل ليس مجرد انحراف عن شيء ثابت وعند بشاره الاختلاف في رؤيه وجوديه للوقت المعاصر،وليس عن الهاويه بشكل وجودي وهذا ما ظهر في ترنيمة له،وبدا مذهبها بأسلوب النداء
يا ضلمه مالك ماشيه في القلوب
ماشيه وبتمدي
يا بتول يا ام النور
مدي الايدين مدي
ومن هنا اشار عن الضلمه التي استقرت داخل الانسان ،ماشيه وبتمدي فتعطي الضلمه صفه الكائن الحي الذي يتحرك ويتوسع الضلمه هنا ليست حاله ساكنه بل قوه تنتشر وتحتل المساحات
"يا بتول يا ام النور
مدي الايدين مدي"
هذا هو نداء استغاثة وهناك مخاطب يملك امكانيه الانقاذ وام النور رمزا للامل والخلاص
2- العاميه وخلق الكينونة
تجاوز العاميه المصريه في ترانيم بشاره كونها مجرد لغه تواصل،وتصبح الكينونه الذي يتحقق فيها حضور الله وإعلانه،الحقيقة المقدسة ليس فكرا على لغه متعالية
ودل على ذلك في بساطة اللغة وعمقها في ترنيمة أخرى ما تكسفنيش مش ممكن اخبط على بابك / وما تفتحليش وبتبعت من غير تأخير ما بتحرمنيش
على ان الشعر هو حاله تجريديه والتعبير بالصورة حتى إن كان في قالب موسيقي وعروضي سهل الغناء أو التراتيل لكن هنا محاكاه مع الشعب البسيط وانتماجه بالعبء الاجتماعي،ثم جاءت كلمات بشاره شعارهم اليومي رغم انعدام الصورة في الجسد الغنائي وجفاف الروح في مواجهة القلق والتوتر النفسي لدى الذوق العام التي أجهل الفنون الأدبيه يؤكد لنا مقاومة نضال الشاعر على لفت الأنظار أن هناك رؤيه شديده التالم في تنسيق جمالي حول الترنيمة
'ما تعولش الهم وما تخافشي ربنا موجود
ده الهك حي وما بينامشي و ما لهش حدود "
تتجاوز الاغتراب الوجودي للمؤمن في عالم يموج بالقلق والانشغالات،فقط ما يكتب هذه الابيات فهو لا يقدم عزاء فحسب،هنا يتجلى حضور الله ليس كفكره لاهوتية مجرده،بل كينونه حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية وعلاقة شخصية لا وسيط لها سوى الله المباشر أما عن النهاية يظل رمز بشارة ظاهرة تستعصى على تصنيف السريع،هو ليس شاعر ترانيم ولا مجرد منتج فني،بل هو مهندس وجودي،أعاده تشغيل علاقه المؤمن مع الله من خلال اللغة ذاتها فبينما كان القداس يحتاج الى وسيط والصلوات تحتاج الى طقوس جاء الترانيم رمز بشاره تقول الله هنا الآن بلغة تفهمها كل الأمهات وبايقاع تهتز له القلوب قبل الجدران تلك هي فلسفته،أن تكون المقدسات تشير إلى حد الرهبة اليومية والى حد البساطة في جدل لا ينتهي بين السماء والتراب،لكنه يأتي دائما فرحا وأمانا لا يوصفان
أبانوب لويس(شاعروناقد)
ديرب نجم-الشرقية
في 3/7/2026 م
مداخلة في إشهار كتاب مصطفى عبد الفتاح: قراءات نقديّة في أدب النكبة وأدب السجون \ الحريّة
الناصرة - مكتبة ميّ زيادة 3.7.26
*** مقدّمة مختارة (أدناه المداخلة الكاملة)
يضع مصطفى الإصبعَ على إشكاليّة عويصة تعتور روايتَنا الفلسطينيّة مقابل الرواية الصهيونيّة. الرواية الصهيونيّة موحَّدةٌ وموحِّدة؛ فما يقوله في حيثيّاتها ابن "كريات شمونة" يقوله ابنُ "تل أبيب" ويقوله ابنُ "إيلات"؛ مواطنًا عاديّا كان أو قائدًا أو كاتبًا على اختلاف خلفيّاتهم السياسيّة وحتى الأيديولوجيّة. أمّا نحن؛ فروايتُنا في الكثير من مواضعِها مجزّأةٌ وأحيانًا متناقضة، فنجد أنّ ما يقولُه ابنُ الجشّ في مواضعَ كثيرةٍ من روايتنا ليس ما يقوله ابن عرّابة ولا ابن الطيرة ولا ابن القدس ولا ابن راهط؛ مواطنًا كان، قائدًا، أو كاتبًا؛ كان مؤرّخًا أو باحثًا أو مفكّرا، وكذا الأديب!
الأسبابُ وراء هذا التناقض أكثرُ من أن تُحصى، وفي مركزها التشرّدُ وضياعُ المرجعيّات الإنسانيّة والوثائقيّة، فإن كانت هذه الأسبابُ شرعيّةً في فترة من الزمن لضيقِ ذات اليد، لم تعُد كذلك. التناقضُ في الرواية على سيّئاته وخطورته قابلٌ للإصلاح إن توفّرت لدى الكتّاب الثقافةُ العميقة والجرأةُ على تخطّي المسلّمات. ولكن الطامّة الكبرى هي حين نتبنّى من حيث ندري أو لا ندري الرواية الصهيونيّة؛
*** المداخلة الكاملة
الأخوات والأخوة
أعتقد أن مصطفى يقف في كتابيه \ قراءتيه أمام مشروع حياة، فيُستشفّ من خلال مقدّمات ومداخلَ الكتابين أن مصطفى مسكون بالنكبة في الجزء الأوّل؛ الرواية \ السرديّة الفلسطينيّة، وفي الجزء الثاني في أحد إسقاطاتها الهامّة؛ أدبِ الحريّة\ أدبِ السجون.
فنراه يكتب في مقدّمة الجزء الأوّل: "جذبني كمٌ كبير من الأعمال الأدبيّة التي أخذتْ من النكبة الفلسطينيّة عام 48 الحيّزَ والاهتمامَ الأكبر، ... على الفلسطينيّ أن يكون على أهبة الاستعداد إمّا المقاومة أو الرحيل، وعلى الكاتب أن يقول كلمته وأن يرسم صورة وطنه وتطلّعات شعبه... الأدب الجيّد هو الأدبُ المقاوم الذي يجعل القارئَ يحلم بروايته أيّامًا بعد قراءتها...".
ويقول: "وبما أنّ التاريخ يكتبه المنتصر ويزيّنه كما يشاء بدم المهزومين وبعثرات الحروب ودمار الوطن فقد استعاض عنه الفلسطينيّ بترتيب أوراقه من خلال إعادة كتابة روايته وترتيب أوراق حكايته كي يستطيع من خلالها أن يلتصق بحاضره وأن ينظر إلى مستقبله، فوجودُه الوطنيّ والقوميّ مرهون بانتصار حكايته (روايته)."
في هذا السياق، هنالك قول منسوب لنابليون بونابارت يقول فيه: "التاريخ هو الحكاية (الأكذوبة) التي نتّفق عليها!"
وبغضّ النظر عمّن يكتب التاريخَ أو كيف يُكتب التاريخ، فمصطفى يترك كمَّا من الأسئلة المفتوحة، الملحّة حسب مصطلحه، أمام وجدان الكتّاب، فيسأل: "كيف يكتب الكتّاب روايتَنا التي يحاول أعداءُ شعبنا تشويهَها؟! كيف نريد للعالم أن يرانا؟! كيف نتصرّف تجاه قضيّتنا وتاريخنا ورسالتنا إلى العالم؟! بأيّ طريقة ندافع عنها؟! هل نحن بحاجة لترسيخ هذه الرواية في وجدان أبنائنا وفي وجدان العالم؟! هل نستطيع من خلال روايتنا أن نقنع العالم بصدق قضيّتنا؟!
بهذه الأسئلة الاستنكاريّة يضع مصطفى الإصبعَ على إشكاليّة عويصة تعتور روايتَنا الفلسطينيّة مقابل الرواية الصهيونيّة. الرواية الصهيونيّة موحَّدةٌ وموحِّدة؛ فما يقوله في حيثيّاتها ابن "كريات شمونة" يقوله ابنُ "تل أبيب" ويقوله ابنُ "إيلات"؛ مواطنًا عاديّا كان أو قائدًا أو كاتبًا على اختلاف خلفيّاتهم السياسيّة وحتى الأيديولوجيّة. أمّا نحن؛ فروايتُنا في الكثير من مواضعِها مجزّأةٌ وأحيانًا متناقضة، فنجد أنّ ما يقولُه ابنُ الجشّ في مواضعَ كثيرةٍ من روايتنا ليس ما يقوله ابن عرّابة ولا ابن الطيرة ولا ابن القدس ولا ابن راهط؛ مواطنًا كان، قائدًا، أو كاتبًا؛ كان مؤرّخًا أو باحثًا أو مفكّرا، وكذا الأديب!
الأسبابُ وراء هذا التناقض أكثرُ من أن تُحصى، وفي مركزها التشرّدُ وضياعُ المرجعيّات الإنسانيّة والوثائقيّة، فإن كانت هذه الأسبابُ شرعيّةً في فترة من الزمن لضيقِ ذات اليد، لم تعُد كذلك. التناقضُ في الرواية على سيّئاته وخطورته قابلٌ للإصلاح إن توفّرت لدى الكتّاب الثقافةُ العميقة والجرأةُ على تخطّي المسلّمات. ولكن الطامّة الكبرى هي حين نتبنّى من حيث ندري أو لا ندري الرواية الصهيونيّة؛ ولنا في روايتنا أمثلةٌ فاقعة وفي صلبِها المثلُ الأفقع؛ الرواية حول جيش الإنقاذ ودورِه في النكبة. الرواية السائدة عندنا عن هذا الجيش هي تمامًا الروايةُ الصهيونيّة "الأصلانيّة"، والمتصهينةُ وأصحابُها؛ عملاءُ الصهيونيّة بين ظهرانينا، وأحيانًا ولشديد الأسف قوًى سياسيّة أيديولوجيّة.
فما الفارق بين ما يقوله ابنُ تل أبيب وبيتح تكفا وما يقوله ابن الناصرة وابن رام الله وابن جنين والخليل عن هذا الجيش؟!
رواياتُنا وروايتُنا التي تناولت النكبة في كلّها أو جلّها حين تلامس جيشَ الإنقاذ تلامسُه كما لامسته الرواية الصهيونيّة الأمنيّة ومجروراتُها بيننا. وكونُنا نحتفي بكتابيّ "عريسنا" مصطفى، فيكفينا مثالًا ما راح إليه مصطفى الراوي ومصطفى القارئ في هذا السياق. مصطفى يتطرّق أكثر من مرّة إلى روايته؛ "عودة ستّي مدلّلة"، وقد شملت قراءاتُه قراءةً في كتابي: "جيش الإنقاذ وظلم ذوي القربى"، ويلاحظ أنّه قد وقع في الرواية وفي القراءة في مطبّ الرواية السائدة!
لا مجالَ هنا للخوض في وقائع الدور البطوليّ الذي اجترحه أولئك الأبطال في معارك ملحميّة؛ في جدّين والكابري وهوشة والكساير والزرّاعة والنبي صمويل والطرون والسجرة ويانوح وأبو شريتح – معليا.. ولكن يكفي أن نطرح السؤالَ الاستنكاريّ: كيف لأولئك الشبابِ من المغرب إلى مصرَ وحتّى اليمن مرورًا بالعراق وانتهاء بلبنان الذين تركوا أعزاءهم وجاؤوا مدافعين عن فلسطين أن يكونوا في روايتٍنا السائدة ورواياتِ كتّابنا؛ شُذّاذَ آفاق وخونةً ومتآمرين، وفي غالب الأحيان اعتمادًا على: "قال فلان وحكى علّان"؟!؟!
هذا جزء من روايتنا "النكبويّة" التي جاء مصطفى في قراءاته في الجزء الأوّل ليضعها في سؤاله الاستنكاريّ: "كيف نكتب روايتنا التي يحاول أعداء شعبنا تشويهها؟".
فهل نجح؟!
فعلَها.. وإن ترك بعض "بورٍ" في الحقل ربّما تستفزّ كتّابنا أن يحرثوه.. فـَ "البورة المطمورة تكسر راس السكّة"!
الأخوات والأخوة
الحريّة هي ثاني قيمة لدى الإنسان بعد الحياة، وهنالك من يضعُها فوق الأولى سلّم القِيم. الجزء الثاني من قراءات مصطفى جاء مستلهمًا ممّا كتبه أسرى الحريّة.. فيكتب: "الكتابة داخل السجن أحدُ أرقى أشكال المقاومة الثقافيّة"، ويقتبس:
"يتجاذب الكتابةَ في داخل السجن نزعتان، نزعةٌ تتّجه نحو الحريّة دائمةِ التوهّج في روح الأسير، وسلوكِه الذي يحاكيها على مدار الساعة، ونزعةٌ تتّجه نحو مقاومة القيد الذي يفرض عليه شروطَ الأسر المصمّمةَ لتكبيل إرادته وتحطيمِها- حسام شاهين".
ويقتبس: "نحن نكتب لأنّ الحياةَ لا يبقى منها إلّا ما يُكتب عنها ومنها وإليها، فمن يكتب لا يضلّ ولا يشقى، نحن نكتب لأنّ الكتابةَ للأسير تعني الانبثاقَ أو الانعتاقَ من نير العبوديّة إلى الحريّة، ونحن نكتب يا سادَتنا القراءَ لنقلّدَ سيرتنا ومسيرتنا إلهامًا ووسامَ خلود، إنّ الكتابة في قاموسنا وفي ناقوسنا تعني أن يمتطيَ الأسيرُ صهوة حصان الحقّ – أيمن الشرباتي \ المواطن"
هنا سأخرج عن النصّ... لأحكي عن أيمن رفيقي في السجن:
_ المواطن...
_ أن يمتطي الأسير صهوة حصان الحقّ...
_ المخيّم الصيفي والخيار الإنسانيّ...
وبعد...
في مقدّمة لكتاب الأسير سائد سلامة "عطر الإرادة’، كتبت: "الأسير ليس فقط مناضلا ورمزا للتضحيّة بأغلى قيمة لدى الإنسان، حرّيتِه. الأسير صاحبُ القضيّة شعلةٌ من الإنسانيّة لا تنطفئ حين يتمنطق البندقيّةَ ولا في ظلمات أعتى الزنازين." وكتب هو في الإهداء:
"الأشقياء في الدّنيا كثر، وليس في استطاعة بائس مثلي أن يمحوَ شيئا من بؤسهم وشقائهم فلا أقلّ من أن أسكب بين أيديهم هذه العبراتِ علّهم يجدون في بكائي عليهم تعزيةً وسلوى."
حين يكتب مصطفى عن أدب الأسرى فهو يضيء أكثر من شعلة إن لم تقوَ على إضاءة ظلام زنازينهم فعلى الأقلّ تضيء ظلمات طرقات أبناء شعبهم. مصطفى الذي أراد لنا أن نتذوّق الثمراتِ التي جناها الأسرى بعد ان انتزعوا السجن من داخلهم، بلسان الأسير سائد سلامة الذي لم يأتِ مصطفى على نتاجة؛ فكان هذا كتب:
"هذا بالضبط ما جعلني أبتكر مساراتي الذاتيةَ الخاصةَ في خضم التقاطعات الموغلة في سلبيتها والتي يفرضها السجن كنمط حياة، في البداية كنت ساذجًا حقًّا، إذ اعتقدت بأن السجنَ كما يصفونه تجاوزًا، بالمدرسة أو الجامعة التي تخرّج المناضلين، ولكنّني فيما بعد، أدركته على حقيقته، وبأنني طالما أقبع فيه فسأظل أدركه وسأظل أعاود ملائمة ذاتي له من جديد، ... لذا قررت أن أواجهه بانتزاعه من داخلي، حتى وإن كنت أعيش فيه، فالقبعات التي ألبسوني إياها سوف لن تأسرني من ذاتي، وسأظل أنتزعها في كلّ يوم وفي كلّ حدث وفي كلّ موقف، وسأحولُها الى شموع تنتثر على مسار السنين فتضيئه، إلى أن يحين موعدُ الإفراج."
مصطفى استعرض كمّا من المعوّقات التي تقف أمام الأسير في وجه مولوده الأدبيّ، اللهم إلّا أنّه فاته المعوّق الأنكى والأشد إيلامًا؛ النشر!
يكتب مصطفى عبد الفتّاح في إطلالته على أدب الحريّة، في الفصل الأوّل من الجزء الثاني ص47، إطلالةً وسَمَها بـ "التواصل مع الأسرى" فيقول: "ومن هذه الرؤية ومن هذا المنظار اجترح المحامي حسن عبّادي، ومعه الاتّحاد العام للكتّاب الفلسطينيّين – الكرمل48 المشروع الرائد..."
مرّة أخرى والخروج على النصّ والمعوّقات والمشروع ودور الاتّحاد مُطلِق المشروع.....!
_ ولادة عطر الإرادة للأسير سائد سلامة...
_ الاتّحاد ووزارة الثقافة الفلسطينيّة...
_ حيفا ونادي حيفا ودار الرعاة والانطلاقة...
هكذا وُلد المشروع أطلقه الاتّحاد العام للكتّاب.. أمّا بعد.. يشير مصطفى في أطروحاته إلى حلقة أخرى وهي؛ إشهارِ بعض الكتب على أنقاض قرى الكتّاب الأسرى أو أبطال رواياتهم، وهنا من الضرورة كان أن يذكر أنّ الاتّحاد في هذا اجترح موقفًا مقاومًا تحت طائلة المساءلة القانونيّة على ضوء "قانون النكبة (تعديل رقم 40 لقانون أساس الموازنة)" كرمى للأسرى!
وختامًا...
إن كان مصطفى كتب ما كتب أعلاه ولم يُشر إلى هذا المعوّق الأساس، فمن ناحية ما من شكّ أنّ أطروحاتِه القيّمة في هذين الكتابين هي كذلك صرخةٌ في وجه المطالَبين المعوِّقين؛ المؤسّسات الفلسطينيّة الثقافيّة والسياسيّة، ومن الناحية الأخرى هي صرخةٌ في وجهنا؛ نحن الكتّابَ: أن ارعوَوا عن الرواية \ السرديّة الاختلاط، وارعوَوا عن حمَلَتها آلام المخاض خلف القضبان وخارج القضبان.
لم أوردَ إبلي في هذه المداخلةِ إلى الغوص في القراءات التي شملها الكتابان إلّا تشذيرًا، فهذه أتركها للقارئ، ومسبقًا أوصي، إن كان هنالك مكان لتوصية، ستكسب عزيزي القارئ.. ففي الغوص في أعماقها ستجد الكثير من اللآلئ للاستخراج، وإن كان بعضها بحاجة إلى تشذيب وتهذيب.
بوركت يا مصطفى.. وإلى المزيد!
قلت قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم!
سعيد نفّاع
2 تمّوز 2025
صدر للأب يوسف جزراوي ديوان شعري: وأعطشه الظمأ لرشفةٍ منكِ
صدر للأب يوسف جزراوي ديوان شعري ( وأعطشه الظمأ لرشفةٍ منكِ)
تقديم الشّاعر العربي الكبير شربل بعيني
والسورية هديل نوفل
وكتاب آخر عن تاريخ الكنيسة الكلدانية ( مقدمات وتعليق
ونشر)
في طبعته الثالثة
الكتب صدرت عن دار اوراق الثقافية/ العراق- بغداد شارع المتنبي
وقريباً جداً رواية (ليلة واحدة في الغرق)
تقديم الشاعر: عبد الستار نورعلي
و جلال إيليا
نبارك للأب الأديب يوسف جزراوي هذا المنجز
متمنين له دوام التوفيق ومواصلة العطاء.
قراءة أدبية بقلم الناقدة والاديبة الجزائرية" نوميديا جروفي في قصيدة "لو كنت" للشّاعر جورج عازار
نوميديا جروفي
تأتي قصيدة "لو كنت" بوصفها رحلة وُجدانيّة وفلسفيّة في آنٍ واحد فهي تنطلق من أمنيّة إنسانيّة مُستحيلة: امتلاك سلطة على القدر ثمّ تنتهي إلى مصالحة ضمنيّة مع قوانين الحياة التي لا يستطيع الإنسان تغييرها.
إنها قصيدة تتأرجح بين الحُلم والانكسار، بين الرغبة في محو الألم والإيمان بأنّ النّور سيعود مهما طال اللّيل.
يفتتح الشّاعر نصه بشرطٍ افتراضي يحمل دلالة التمنّي والحسرة:
"لو كنت أملك في كفي
قياد القدر"
وهنا يضعنا أمام السّؤال الوجودي الأزليّ: ماذا لو امتلك الإنسان سُلطة إعادة كتابة مصيره؟
إنّ "لو" هنا في هذا السّياق ليست أداة شرط لُغوية فحسب بل هي بوابة إلى عالم الأمنيّات المستحيلة. فالشّاعر لا يُريد تغيير حدث بعينه وإنّما يسعى إلى محو الألم من جذوره، وإلغاء كلّ الدموع التي مرّت عبر التاريخ الإنساني فهي رغبة في إعادة خلق العالم أكثرُ رحمة وعدلا.
وتتجلّى قوّة الصّورة الشّعريّة في قوله:
"وألقيت أستاراً من ظلام
على ما قد مضى"
فالظّلام هنا لا يحمل دلالته السلبيّة المُعتادة وإنّما يتحوّل إلى وسيلة للنّسيان والسّتر وكأنّ الشّاعر يتمنّى أن يحجب الماضي المُؤلم خلف ستارة كثيفة لا تسمح للذّاكرة باستعادته.
ثمّ ينتقل النصّ إلى فضاء الذاكرة، حيث تتجسّد المرآة رمزاً للذّات وللانعكاسات الداخلية:
"ومسحت من صدر المرايا
كلّ الأطياف"
فالمرآة هنا ليست مُجرّد سطح عاكس وإنّما مُستودع للذّكريات والأشباح النّفسيّة التي تسكن الرّوح،ولذلك فإنّ محو الأطياف هو مُحاولة للتّخلّص من آثار التّجارب التي ما زالت تعيش في أعماق الذّات.
وفي أحد أكثر المقاطع تأثيراً يقول:
"وما تركت أغنيّتي يتيمة
تنوح على قارعة الزّمن"
تتحوّل الأغنية هنا إلى كائن حيّ مهجور، بينما يُصبح الزّمن طريقا موحشا، وهنا تتجسّد الوحدة في أبهى صورها الشّعريّة، فليس الحزن مُجرّد شعور فقط بل كائن متروك يبكي على هامش الحياة.
أمّا الوردة التي:
"يخنقها اليباس
وهي ترتجي في كلّ يوم
صوت المطر"
فتُمثّل الأمل الذي يرفض الموت،وتُعتبر صورة للرّوح الإنسانيّة حين تبقى مُعلّقة بانتظار الخلاص مهما اشتدّت قسوة الجفاف.
بعد ذلك يدخل النصّ مُنعطفا دراميّا حين يعترف الشّاعر بضياعه:
"لكنّني يوم الكريهة
أضعت دربي"
فيكتسب هذا الاعتراف بُعدا تراجيديّا عميقا، إذ لا يعود الحديث عن أمنيّات تغيير الماضي بل عن تجربة ذاتيّة عاشها الشّاعر بكلّ مرارتها.
وتبرز هنا صورة نجم سهيل بوصفه رمزا للهداية والاهتداء في الثّقافة العربيّة:
"وسهيل عنّي تاه واحتجب"
فحين يغيب سهيل، يغيب معه الاتجاه وتتحوّل الرحلة إلى تيه وجودي.
ثمّ يطرح الشّاعر سُؤالا فلسفيّا بالغ العُمق:
"قدر يقود شراعي حين أبحر
أم وسوسة الشياطين؟"
إنّه السؤال الأبدّي حول حدود الحريّة الإنسانيّة: هل نحن صُنّاع مصائرنا أم أسرى لقوى خفيّة أكبر منّا؟ ويترك الشّاعر السؤال مُعلّقا دون جواب لأنّ الغاية ليست الوصول إلى يقين وإنّما هي التّعبير عن الحيرة الإنسانية نفسها.
وفي المقطع التّالي يختصر رؤية كاملة للحياة:
"هي الأيّام تجري
بين منعرج ووهاد"
فالحياة ليست خطّا مستقيما بل تضاريس مُتقلّبة من الصّعود والهبوط، من الفرح والحزن ومن الأمل والانكسار،فيُعزّز هذا المعنى بقوله:
"والّدهر قلاب وغدار"
وهي عبارة تستدعي الحكمة العربية القديمة التي ترى الزّمن قوّة مُتحوّلة لا تُؤتمن.
وفي النّصف الثاني من القصيدة يتحوّل الخطاب تدريجيّا من التّشاؤم إلى الرّجاء، ويظهر ذلك من خلال سلسلة من الصّور الرّمزيّة:
البحر الذي يلفظ أشلاء الورود.
العنقاء التي تبسط جناح المحبة.
الغول الذي يغيب عن حكايات الأطفال.
الملاك الحارس الذي يتّخذ دوره.
وهذه الرّموز كلّها ليست اعتباطية بل تُشكّل معا مشروعا شعريا للخلاص، فالعنقاء رمز البعث بعد الاحتراق، والغول رمز الخوف الذي يزول، والملاك رمز الحماية الإلهية والطمأنينة.
وتبلغ القصيدة ذروة تفاؤلها في المقطع الأخير:
"وفي كل الملمات
يأتيك الخل الوفي
من حيث لا تدري"
هنا يستعيد الشّاعر إيمانه بالإنسان وبالمحبّة وبالنّجدة التي تأتي من حيث لا يتوقّع المرء.
إنها لحظة انتقال من العُزلة إلى الصّحبة ومن اليأس إلى الثّقة.
وفي الأخير:
"حينها تغسل الشمس وجه البسيطة
وتغازل وجه الحسان نسائم الصباح"
فهي تُمثّل ولادة جديدة للعالم، الشمس تغسل الأرض من أوجاعها والعصافير العائدة من سفرها البعيد تُصبح رمزاً للأرواح التي أنهكها التّيه ثمّ وجدت طريق الرّجوع.
وفي الختام يُمكن القول أنّ قصيدة "لو كنت" للشاعر المبدع جورج عازار ليست مُجرّد نصّ عن الحنين أو النّدم، بل هي تأمّل فلسفي في علاقة الإنسان بالقدر والزّمن والذاكرة.
فيبدأ الشّاعر بمحاولة التّمرّد على الماضي، ثمّ يمرّ عبر الاعتراف بالضّياع والحيرة ليصل في النّهاية إلى يقين هادئ مفاده أنّ الحياة رغم قسوتها قادرة على أن تمنح الإنسان فرصة جديدة للفرح.
إنّها قصيدة تتحرّك من ظلام الذّاكرة إلى ضوء الرّجاء، ومن الحسرة على ما كان إلى الإيمان بما سيكون ولذلك تبدو أقرب إلى رحلة روحيّة تتتبع مسار النّفس الإنسانيّة وهي تعبر من الانكسار إلى الأمل.
( نوميديا جروفي)
وإليكم نص القصيدة
لو كُنتُ
لو كُنتُ أملكُ في كَفِّي
قيادَ القَدرِ
لألقيتُ أستاراً من ظَلامٍ
على ما قَد مَضى
وما قد عَبرَ
ومَحوتُ من التَّاريخِ
كُلَّ الدُّموعِ وما أبقيتُ
للجَوى في المُهجةِ
بقَايا أثرٍ
ومَسَحتُ مِن صَدرِ المَرايا
كُلَّ الأطيافِ
ومَزَّقتُ كل الذِّكرياتِ
ورسوم الصُّورِ
وما تَركتُ أُغنيتي يتيمةً
تَنوحُ على قارعةِ الزَّمنِ
ولا وَردتي وَحيدةً
يَخنقُها اليَباسُ
وهي تَرتَجي في كُلِّ يومٍ
صَوتَ المَطرِ
لَكنني يومَ الكريهةِ
أَضعتُ دَربي
وسُهيلُ عَني تَاهَ واحتجبَ
مُكرهاً مَشيتُ في طَريقٍ
أشواكُهُ حقولٌ والذَّنبُ فيهِ
أبداً لا يُغتفَرُ
قدرٌ يقودُ شِراعي حين أُبحرُ
أم وَسوسَةُ الشَّياطينِ
للرِّيحِ طَرَبٌ؟
هي الأيامُ تَجري
بين مُنعرَجٍ ووهادٍ
والدَّهرُ قَلَّابٌ وغَدَّارٌ
تارةً نحيبٌ
وفي النزرِ اليَسيرِ
حُبورٌ واستبشارٌ
تَخرِمُ آذانَ الَّليلِ
عَرَّافةُ التنجيمِ
ومنها إلى كُلِّ الهمساتِ
تُنصِتُ
عَاريةٌ رُوحي
وصَقيعُ الاِرتعاشاتِ
يَتغَلغلُ في جِراحاتي
والشَّمسُ في البَعيدِ
على بُيوتِ الخَفافيشِ
تُشرِقُ
غدأ حينَ يَغورُ المَوجُ
ويصمُتُ صَوتُ الطَّنينِ في المَدى
ويلفظُ البَحرُ
أشلاءَ الورودِ
الَّتي منذ بدءِ الدُّهورِ
اِبتلعَها
غداً حين يموتُ الجَّمرُ
في الأتونِ
وتَفرِشُ العَنقاءُ
جناحَ المَحبةِ
فوق مَناكِبِ المَسكونةِ
ويغيبُ شَبَحُ الغُولِ
عن حِكاياتِ الصِّغارِ
والمَلاكُ الحَارسِ
دورِ البَديل
يتخذُ
وفي كُلِّ المَلَمّاتِ
يأتيكَ الخِلُّ الوَفيُّ
من حيثُ لا تَدري
ولا تَحتسبُ
وأحاديثُ البومِ في الَّليالي الحَالكةِ
بُكمٌ
حينها تَغسلُ الشَّمسُ وجهَ البَسيطةِ
وتغازِلُ وَجهَ الحِسانِ
نسائمُ الصَّباحِ
وعلى وَجنَاتِ العَصَافيرِ
قَسَمَاتُ الحُبورِ
حين تَعودُ من سَفرِها البَعيدِ
سَوفَ ترتَسِمُ
جورج عازار
إقرأ أيضاً
-
نشرت صحف إسبانية وبرازيلية "صورا غير مسبوقة لشقيقة الملك المغربي محمد السادس الأميرة سلمى، المعروفة لدى المغاربة بلقب ''ل...
-
أم الفحم- من شاكر فريد حسن ـ استضافت مكتبة ابن زيدون العامة بمدينة أم الفحم الباحث الفلسطيني د. مصلح كناعنة، المحاضر بجامعة بير ز...
-
ريما كركي "من أكثر مذيعات الطقس إثارة في العالم"!! اختيار وإعداد عادل محمد 9 أكتوبر 2019 على الرغم من أن الإعلامية...
-
توفي في لبنان الدكتور عصام حداد، مدير معهد الأبجدية في جبيل، وصاحب المؤلفات العديدة، ومؤسس جائزة شربل بعيني التي ما زالت تمنح للمبدعين...
-
عزيز لحديد السباعي ثمرة ثماني سنوات من الرهان على القراءة والإبداع في خطوة ثقافية جديدة تؤكد أن المدرسة المغربية قادرة على صناعة الجمال وص...
-
انقروا هنا لقراءة العدد صبري يوسف – ستوكهولم، أصدر الأديب والتّشكيلي السُّوري صبري يوسف رئيس تحرير مجلَّة السَّلام الدَّوليّة، العدد الثَّال...
-
السويداء - سورية شيّع آل المغوش وعموم ابناء محافظة السويداء - جبل العرب في سورية فقيد النضال والجهاد الضابط السابق في الجيش العربي السور...
-
أقامت جمعية السباط للحفاظ على الثقافة والتراث الفلسطيني - الناصرة - بإدارة الباحث والمؤرخ الأستاذ خالد عوض - إفطارا جماعيا في قاع...
-
أقيمَ في ساحة المدرسةِ الشاملة في قرية " الفريديس " - قضاء حيفا – مساء يوم السبت ( 19 / 10 / 2024 ) عرسٌ وحفلُ زفاف...
































