خصّص نادي القراء في طرعان لقاءه الشهري يوم 8.7.26 لمناقشة رواية "ورد الشام- حكاية الكفّ الأخضر الثورة المنسيّة" لـ سعيد نفّاع. الرواية تتناول ثورة الكفّ الأخضر ضد الاستعمارين البريطاني والفرنسيّ والاستيطان الصهيوني؛ الثورة المسلّحة الأولى في فلسطين، والتي امتدّ نشاطها على كامل تراب شمال فلسطين وكانت انطلقت عام 1929 بعد أن كان بعض أفرادها أطلقوا عمليّتهم الأولى عام 1919 في طلحة (تل - حاي) في أقصى شمال فلسطين، وكان شارك بعض أفرادها في الثورة العربيّة السوريّة الكبرى عام 1925.
افتتحت اللقاء مديرة المكتبة العامة في طرعان السيّدة نيروز عدويّ، ثمّ طُرحت المداخلات من المشاركين تناول كلّ منها جانبًا من جوانب الرواية والتي غلب عليها الإشارة إلى غياب هذه الثورة عن روايتنا الفلسطينيّة الجمعيّة. وقدّم خلال اللقاء كلّ من د. روز شعبان والكاتب فادي أبو شقارة مداخلتين مطوّلتين ضافيتين. (ستنشر المداخلات تباعًا). هذا وشارك في اللقاء ضيوفًا كلّ من الكتّاب: ناجي ظاهر ويوسف حجازي ومصطفى عبد الفتّاح.
*** مداخلة الكاتب فادي أبو شقارة:
رواية ورد الشام... أنّها تتعامل مع الذاكرة بوصفها جوهر الحكاية. فالرواية لا تكتفي بسرد أحداث من الماضي، وإنما تحاول أن تستعيد ما كاد يتبعثر بين الحكاية الشفوية والوثيقة المكتوبة. ورد الشام، في هذا السياق، لا تبدو مجرد جدة تروي، إنما تتحول إلى رمز لذاكرة البيت والعائلة والقرية والثورة. ومن خلال صوتها، إلى جانب مذكرات سليم، ينجح سعيد نفاع في تحويل الحكاية إلى فعل حفظ ومقاومة للنسيان.
ومن الذاكرة نصل إلى المكان، لأن الرواية تدرك أن الذاكرة تحتاج إلى أرض تحملها، وأسماء تحفظ ملامحها. لذلك لا تمر أسماء القرى والطرق والعيون والجبال كتفاصيل عابرة، وإنما تظهر كجزء أساسي من بناء المعنى. المكان في ورد الشام حاضر كأنه شخصية لها وجعها وحقها في البقاء. وحين يكثر الكاتب من تسمية الأماكن، فهو لا يضيف معلومات جغرافية فحسب، وإنما يعيد إلى المكان اسمه، ويؤكد أن التسمية نفسها شكل من أشكال مقاومة المحو.
لا تأخذنا إلى تاريخ بعيد وغريب، إنما تعيدنا إلى تاريخ قريب إلى درجة محرجة. أحداث كثيرة في الرواية تجري في جغرافيا نعرف أسماءها، أو نمرّ بقربها، أو ننتمي إلى امتدادها، ومع ذلك نكتشف أثناء القراءة كم أنّ معرفتنا بها ناقصة. هنا تكمن قوة الرواية: إنّها لا تعرّفنا إلى الماضي فقط، إنّما تكشف لنا فجوة علاقتنا بهذا الماضي. تجعل القارئ يسأل نفسه: كيف استطاعت حكايات بهذا القرب أن تغيب؟ وكيف صارت بعض الثورات، وبعض القرى، وبعض الأسماء، كأنها هامش في الذاكرة مع أنها جزء من أصل الحكاية؟
ومن هذه النقطة تحديدًا تأتي أهمية ورد الشام كشخصية. فهي لا تظهر كجدة تروي للتسلية أو للحنين، إنما كصاحبة معرفة من نوع آخر؛ معرفة لا نجدها دائمًا في الكتب، ولا في الروايات الرسمية للتاريخ. حضورها يمنح الحكاية سلطة البيت، وسلطة الذاكرة الشفوية، وسلطة من عاشوا الوجع أو ورثوه عن قرب. لذلك يصبح كلام الجدة في الرواية أكثر من استرجاع للماضي؛ يصبح طريقة لمساءلة التاريخ المكتوب نفسه. كأن النص يقول إن الوثيقة وحدها لا تكفي، وإن ما يُحفظ في صدور الجدات قد يحمل من الحقيقة الإنسانية ما لا تحمله السجلات.
أما الملاحظة الثالثة، فهي أن سعيد نفاع لا يكتب التاريخ من أعلى، من جهة المعارك والعناوين الكبرى فقط، إنما يكتبه من داخل الحياة اليومية. التفاصيل الصغيرة في الرواية، من لهجة الناس، إلى العتاب، إلى الأهازيج، إلى أسماء الخيل، إلى البيوت والطرقات، تمنح التاريخ جسدًا وروحًا. لذلك لا نشعر أن الشخصيات تتحرك داخل درس تاريخي، إنما داخل عالم حيّ له رائحته وصوته وقسوته ودفؤه. وهذه في رأيي من أجمل نقاط الرواية: أنها تجعلنا نفهم أن الذاكرة لا تبقى عبر الأحداث الكبرى وحدها، وإنما عبر التفاصيل التي تبدو صغيرة، ثم نكتشف أنها هي التي تحفظ صورة العالم كما كان.
فادي أبو شقارة






0 comments:
إرسال تعليق