ديريك أقرب ما تكون إلى القلب


 بقلم جان يونان

 


ديريك معراج حنين الرُّوح 

هو عنوان الكتاب الَّذي صدر مؤخرًا للصديق الأديب صبري يوسف، ديريك هي المدينة الَّتي نشأ فيها صبري كما نشأت أنا فيها أيضًا، ديريك هي مدينة تقبع في الزَّاوية الشَّماليّة الشَّرقيّة من سوريا، وهي أبعد مدينة عن العاصمة، ولكن بالنّسبة لنا هي أقرب ما تكون إلى القلب، ولكن ماذا تعني ديريك لصبري يوسف.

هناك مدن تشبه الممرّات الضّيّقة في الذَّاكرة، لا ترى بالعين وحدها بل تلمس بالقلب، لقد كتب المؤلّف عن مكان فسيح شديد الواقعيّة وروح تبحث عن ارتقاء يتجاوز حدود المكان، يسبح في مكنون الذَّاكرة الَّتي تعطيك ما في جعبتها من ابتكارات خالدة، عن رجال ونساء حملوا في أصواتهم ما يكفي من الإبداع ليرفعوا السَّقف الثَّقافي لبلدتهم، حيث ساهمت بإغناء الحركة الثَّقافيّة والفنِّيّة.

 إنَّ هذه الوجوه تشكّل الطَّيف الكامل الَّذي تتألَّف منه البلدة، إنّه الفسيفساء البشريّة الّتي تضمُّ كلَّ ألوان الطَّيف ومشتقاته، صبري يكتب عن فضاء تتقاطع فيه الهويَّات، واللًّغات، والوجوه والطَّبقات الاجتماعيّة، لا يفرِّق بين الأشخاص وطوائفهم ومشاربهم، بالنّسبة له يكفي أن يكون الشَّخص من ديريك، وهكذا تجد العربي بجوار الكردي وبجوار الأرمني والسِّرياني والكلداني والآشوري، كل ما يجمعهم هو حبُّ بلدهم والمساهمة برفع سويّته الثَّقافيّة والإرتقاء به عاليًا.

في كتاب (ديريك معراج حنين الرُّوح) لا تقرأ تاريخًا، بل تقرأ صعودًا لمدينة صغيرة نحو الضَّوء، هذا الكتاب لا يضيء على الماضي، وإنَّما يضيء الحنين  كطاقة روحيّة تدفع الإنسان إلى إعادة اكتشاف ذاته وتفجّر طاقاته الدَّاخليّة.

ديريك هنا ليست مكانًا، بل معراجًا تصعد فيه الرُّوح عبر أسماء صنعت الوعي، عن أدباء جعلوا اللُّغة ليست كلمات مصفوفة بل حياة، عن فنّانين تشكيليِّين جعلوا من لوحاتهم عالمًا من الألوان السَّاحرة، تدعو إلى التَّأمل، إنَّ المبدعين أرادوا بإبداعهم أن يعيدوا تشكيل العالم نحو الأفضل.

ما معنى (معراج حنين الرُّوح ):

المعراج هو السلّم أو الدّرجة الَّتي يرتقى بها الإنسان، والحنين هو أعمق شعور يسكنه، والرُّوح هي جوهر الإنسان الَّذي يبقى خالدًا بعد فناء الجسد، لذلك فإنَّ معراج حنين الرُّوح تعني: أنَّ الرُّوح ترتقي لأنّها تشتاق، لا لأنَّها تؤمر، بل هي تكوين اللَّحظة حين ترتفع داخلك لتكون أصفى، أصدق، الرّحلة لتلك الأيَّام الَّتي لم تتلوَّث بأمراض العصر.

أمَّا ديريك فهي الخلفيّة الَّتي ينهض عليها هذا العمل الأدبي الفذ، مدينة تفرض نفسها كبطل روحي، أبدع غلافًا رائعًا لمكنوِّنات الإبداع من الرِّجال والنِّساء الَّذين كانت لهم البصمة لإظهار الابتكار، فقدَّمت لهم الأزقّة الضَّيقة، والبيوت المتلاصقة الَّتي تحسبها بيتًا واحدًا، تتنفَّس من صدر واحد، والتَّنوع الدِّيني والإثني، وساهمت بتعرية التَّحوُّلات السِّياسيّة والاجتماعيّة، إنّها مدينة ترى بالعين وتحس بالقلب، إنّها منصّة انطلاق نحو فهم الذَّات، وهي ليست مجرّد ذاكرة، بل مرآة تعكس طفولة الكاتب، وشبابه، وبحثه نحو اكتشاف العالم، ولهذا فهي تصبح جزءًا من المعراج، وهذا ما يجعل المكان في الكتاب حاملًا للمعنى، إنّها تقوم مقام الحبل السّرِّي الَّذي يربط العمليّات الإبداعيّة دون الدُّخول في تكوينها الفيزيائي.

أخيرًا إنَّني أثمِّن هذا الكتاب الثَّر، وأحيي الكاتب الَّذي بذل من وقته الكثير، وأقدِّر مجهوده، لكي يعطينا الكثير، من معلومات قيّمة وإضاءة على شخصيّات كادت أن تُنسى، لولا حرص الكاتب على إعادتها إلى الضَّوء، إنَّه لم ينظر إلى الماضي بعين المؤرِّخ، وإنّما بعين الأديب، الَّذي يجعل من التَّاريخ مادَّة أدبيّة ممتعة. هذا الكتاب رحلة في المكان، رحلة في الذَّاكرة، في المعنى، في إبداع الإنسان، هذا الكتاب يغني المكتبة العربيّة، إنَّني أنصح بقراءته.


* جان يونان

شاعر وقاص سوري مقيم في ستوكهولم


CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق