آليات التدوير الإيقاعي والبناء الصوري في ديوان "نساء يرتِّبن فوضى النهار" لنمر سعدي



بقلم / الأستاذة الدكتورة وسام علي الخالدي / العراق 

يُعدُّ ديوان "نساءٌ يرتِّبنَ فوضى النهار" للشاعر نمر سعدي وثيقةً جماليةً رفيعة، تُعيدُ الاعتبارَ لفعلِ القصيدة بوصفِها مختبراً لتبدُّدِ اللحظةِ وإعادةِ تدويرِها عبرَ لغةٍ لا تكتفي بكونِها وعاءً للمعنى، بل تتحولُ إلى كائنٍ حيٍّ يتنفسُ من مساماتِ الصورةِ وتدفقاتِ الإيقاع. يشتغلُ الشاعرُ في هذا المنجزِ على تقنيةِ "التدويرِ الإيقاعي" بوعيٍ نقديٍّ متوقد، حيث لا تظلُّ الجملةُ الشعريةُ حبيسةَ قافيتِها أو منتهيةً عند حدودِ سطرِها، بل تنسابُ في تتابعٍ عضويٍّ يمنحُ النصَّ دفقاً مستمراً يضاهي فوضى النهارِ ذاتَها التي يصفُها، ليتحولَ التدويرُ هنا من ضرورةٍ عروضيةٍ إلى استراتيجيةٍ فنيةٍ تجسِّدُ القلقَ الوجوديَّ للذاتِ الساعيةِ لترتيبِ شتاتِها وسطَ عالمٍ يضجُّ بالتحولات.

وفي ضوءِ هذا التواترِ الإيقاعيِّ، ينهضُ "البناءُ الصوريُّ" كجسرٍ يعبرُ بهِ الشاعرُ نحو أعماقِ المتلقي، إذ لا نجدُ الصورةَ عند نمر سعدي مجردَ زينةٍ بلاغيةٍ مضافةٍ، بل هي بنيةٌ عميقةٌ تتخلقُ من صهرِ اليوميِّ بالميثولوجيِّ، ومن تداخلِ الحسيِّ بالذهنيِّ؛ حيثُ تبدو المرأةُ في قصائدِه ليست موضوعاً للوصفِ فحسب، بل هي "الفعلُ الخالقُ" الذي يمارسُ الترتيبَ وسطَ خرابِ العالمِ واضطرابِ أزمنةِ النهار. إنَّ انزياحاتِ الصورةِ لديهِ تتسمُ بالقدرةِ على المباغتةِ الذهنيةِ، إذ يقرنُ المفرداتِ في تآلفاتٍ غيرِ مألوفةٍ تخلقُ إدهاشاً مستمراً، مُستنداً إلى خيالٍ بصريٍّ يمتلكُ حساسيةَ الفنانِ الذي يُحوّلُ الكلمةَ إلى لوحةٍ ناطقة، مما يجعلُ من الديوانِ فضاءً شعرياً متماسكاً، لا تنفصمُ فيهِ موسيقى اللغةِ عن تشكيلِ الفراغِ، ولا تعزلُ فيهِ الصورةُ عن إيقاعِ النبضِ الذي يصدرُ عن عمقِ تجربةٍ نقديةٍ وشعريةٍ مائزةٍ تدركُ أنَّ الشعرَ هو محاولةٌ دائمةٌ لاستعادةِ المعنى من بينِ مخالبِ الفوضى.

إنَّ اشتغالَ نمر سعدي على "التدوير الإيقاعي" لا ينبعُ من فراغٍ تقنيٍّ، بل هو امتدادٌ لرؤيةٍ وجوديةٍ ترى في القصيدةِ سيولةً ترفضُ الانغلاق؛ ففي قصائدِ الديوان، يتجاوزُ المعنى حواجزَ القوافي بمرونةٍ توحي بأنَّ اللحظةَ الشعريةَ لا تنتهي، بل تتناسلُ كدفقٍ شعوريٍّ متصل. يظهرُ هذا التدويرُ في مقدرةِ الشاعرِ على دفعِ الجملةِ الشعريةِ لتعانقَ ما بعدها، وكأنَّ السطورَ ليست وحداتٍ معزولةً، بل خيوطاً في نسيجٍ مترابطٍ يقتفي أثرَ الفوضى التي يسعى لترتيبِها؛ فهو يمتلكُ نَفساً شعرياً طويلاً يُطوّعُ فيهِ التفاعيلَ لتخدمَ غرضَ الحركةِ الدؤوبةِ، كما في قولِه:

"تخرجُ من عتمةِ النومِ / كأنَّها الفجرُ ينسلُّ من ثقبِ إبرةٍ / في قميصِ السماءِ الممزقِ بالرعدِ".

هنا، نلحظُ كيف يمتدُّ الإيقاعُ عبرَ الصورِ المترابطةِ، فلا يكتملُ المعنى عند "النوم" أو "الفجر"، بل يرحلُ بـ "انسيابٍ إيقاعيٍّ" إلى أقصى مدياتِ "تمزقِ السماء"، في تماهٍ تامٍّ بين حركةِ اللفظِ وتوترِ المعنى، وهو ما يؤكدُ أنَّ الإيقاعَ عند سعدي هو نبضٌ حيٌّ يتنفسُ من خلالِ التدويرِ الذي يمنعُ النصَّ من السكونِ أو الترهل.

أما البناءُ الصوريُّ، فيتجلى في استثمارِ الشاعرِ لطاقاتِ "الجسدِ" و"الطبيعةِ" لترسيخِ مفهومِ الترتيبِ الفنيِّ وسطَ الخرابِ الوجوديِّ؛ إذ يتحولُ الجسدُ الأنثويُّ في قصائدِه إلى جغرافيا للدهشةِ، حيثُ تتشابكُ الطبيعةُ مع التكوينِ البشريِّ في استعاراتٍ مركبةٍ تبتعدُ عن التقريرِ المباشرِ، وتغوصُ في تأويلِ الوجودِ من خلالِ جزئياتِهِ. ولعلَّنا نقفُ على دقةِ هذا البناءِ حين يقول:

"تمشطُ شمسَ الظهيرةِ / كما لو أنَّها تُسَرِّحُ خُصلاتِ الغابةِ / في مرآةِ الوقتِ الذي يتكسرُ في كفيها".

فالصورةُ هنا تتجاوزُ الوصفَ الظاهريَّ لتغدو بنيةً رمزيةً؛ إذ "تمشيطُ الشمسِ" صورةٌ مبدعةٌ تعكسُ محاولةَ الترتيبِ الميتافيزيقيِّ لفوضى النهار، والربطُ بين "خصلاتِ الغابة" و"مرآةِ الوقتِ" يمنحُ النصَّ أبعاداً بصريةً وذهنيةً ترفعُ من سويةِ القصيدةِ بوصفِها فعلاً استعارياً قادراً على إعادةِ صياغةِ الواقعِ. إنَّ هذهِ الشواهدَ تكشفُ عن ذائقةٍ تدركُ أنَّ الشعرَ الحقيقيَّ ليسَ مجردَ صفٍّ للكلماتِ، بل هو هندسةٌ دقيقةٌ للفراغِ، وتدبيرٌ بليغٌ للصورِ التي تتراقصُ بينَ حدّيِ الإيقاعِ المنسابِ والمدلولِ العميقِ، مما يجعلُ من ديوانِ نمر سعدي تجربةً نقديةً جديرةً بالدراسةِ والفحصِ في سياقِ القصيدةِ العربيةِ المعاصرة.

وفي هذا السياق، يتجلى "نمر سعدي" سادناً لأسرارِ اللغةِ، لا يكتفي برصدِ الفوضى، بل يفككُ عُقَدَها عبرَ معمارٍ لغويٍّ يزاوجُ بينَ دقةِ التشكيلِ البصريِّ ورهافةِ الإيقاعِ الشعوريّ، متخذاً من التدويرِ آليةً لتفريغِ الشحناتِ الوجدانيةِ المكتظةِ في القصيدة؛ فالتدويرُ هنا هو "التنفسُ القسريُّ" للقصيدةِ كي لا تختنقَ داخلَ البيتِ الشعريِّ الضيق، وهو ما يبدو جلياً في قوله:

"وتتركُ خلفَها ظلاً لا يرتدي ثياباً / كأنَّما الزمنُ عارٍ من رغباتِه / ولا يجدُ سوى قمصانِ النوافذِ ليسترَ بها عُريَهُ".

إنَّ الانتقالَ السلسَ من "الظلِّ" إلى "الزمنِ" ثم إلى "النوافذ" في هذا المقطع، يمثلُ ذروةَ التصاعدِ الإيقاعيِّ الذي يعتمدُ على "الترابطِ العضويِّ" للجملة، حيثُ يولدُ المعنى من رحمِ الحركةِ لا من ثباتِ الكلمة، وتصبحُ الصورةُ بؤرةً تتكثفُ فيها دلالاتُ الوجودِ والعدمِ، والعريِ والستر، في جدليةٍ فنيةٍ تعكسُ قدرةَ الشاعرِ على تحويلِ المجردِ إلى مشهديَّةٍ محسوسة.

إنَّ هذا البناءَ الصوريَّ المحكمَ لا يكتفي بالجانبِ الوصفيِّ، بل يغوصُ في تأملِ "الأنوثةِ" كقوةٍ فاعلةٍ في الكونِ، حيثُ تُمارسُ المرأةُ في نصوصِه فعلَ "الترتيبِ" كنوعٍ من المقاومةِ الجماليةِ ضدَّ العبثِ المحيط، وكأنَّ الشعرَ هو "بيتُ القصيدِ" الذي يجمعُ شتاتَ الروحِ، وهو ما يتضحُ حينَ يقول:

"هيَ ترتبُ فوضى النهارِ بلمسةٍ من أصابعِ الضوءِ / لكي لا يسقطَ العالمُ في حفرةِ النسيانِ / قبلَ أن نتمكنَ من قراءةِ القصيدةِ الأخيرةِ".

هنا، يرتقي الشاعرُ بالصورةِ إلى مصافِ الميتافيزيقا؛ فالفعلُ اليوميُّ البسيطُ المتمثلُ في "الترتيب" يتحولُ إلى فعلٍ وجوديٍّ يحمي الوجودَ من السقوطِ في "حفرةِ النسيان"، وتغدو القصيدةُ هي الملاذَ الأخيرَ والحصنَ الذي تلوذُ بهِ الذاتُ. إنَّ ديوانَ "نساءٌ يرتِّبنَ فوضى النهار" ليس مجردَ نصوصٍ تُقرأ، بل هو "لوحةٌ ناطقةٌ" (كما هو ملموسٌ في تجربةِ الشاعرِ الفنيةِ التي تتجاوزُ الكتابةَ إلى التشكيلِ البصريِّ)، حيثُ تتحدُ الريشةُ بالقلمِ ليخلقَ سعدي فضاءً شعرياً مائزاً، يمنحُ القارئَ فرصةً للتأملِ في تضاريسِ الأنوثةِ، وفوضى النهارِ، وإيقاعِ الزمنِ الذي لا يتوقفُ عن الجريانِ إلا في مساحةِ البياضِ التي يخطُّ عليها قصيدتَه. 

إنَّ ملامسةَ الجانبِ البنيويِّ في هذه القراءةِ تفرضُ علينا استنطاقَ "المساحةِ التفاعليةِ" بينَ النصِّ والمتلقي؛ فبنيةُ الديوانِ لا تتشكلُ من تراكمِ القصائدِ فحسب، بل من صيرورةِ الدلالةِ التي تتخلقُ في "بياضِ الصفحةِ" بقدرِ ما تتخلقُ في "سوادِ الحرف". إنَّ نمر سعدي، بانحيازِهِ التامِّ للمخيلةِ التشكيلية، يُحوّلُ البناءَ القصيديَّ إلى "فضاءٍ هندسيٍّ" يخضعُ لآلياتِ التناسبِ والإيقاعِ، حيثُ لا يكتفي بالبناءِ العموديِّ أو التفعيليِّ، بل يبتكرُ "معماراً بصرياً" يتماهى مع طبيعةِ الصورِ التي يرسمُها في نصوصِه، تماماً كما لو أنَّ كلَّ قصيدةٍ هي "لوحةٌ ناطقةٌ" تستدعي من القارئِ ممارسةَ الرؤيةِ لا القراءةَ فحسب. 

وضمنَ هذه البنيةِ التشكيليةِ، تبرزُ "ثنائيةُ الحضورِ والغياب" كدعامةٍ سيميائيةٍ تمنحُ النصَّ عمقَه الفلسفيَّ؛ فالحضورُ في الديوانِ ليسَ في "الجسدِ" الموصوفِ بقدرِ ما هو في "الأثرِ" الذي يتركهُ هذا الجسدُ في فضاءِ القصيدة، والغيابُ ليسَ عدماً، بل هو حالةٌ من "الامتلاءِ بالمعنى" التي تدفعُ اللغةَ نحو التجريد. إنَّ توظيفَ "الاستعارةِ المتحركةِ" (كقولِه عن ترتيبِ الشمسِ وتسريحِ الغابةِ) يُفضي بالبنيةِ إلى حالةٍ من "السيولةِ الاستعارية" التي تتجاوزُ المألوفَ لتصيبَ جوهرَ التكوين، محولةً اللغةَ إلى مادةٍ مرنةٍ تتشكلُ بحسبِ إيقاعِ النبضِ الشعريِّ. هكذا، نجدُ أنَّ "التدويرَ الإيقاعيَّ" الذي يُحكمُ الربطَ بين السطور، هو ذاتُه الأداةُ التي تسمحُ للقصيدةِ بأن تتنفسَ في مساحاتِ الغيابِ، لتصبحَ البنيةُ في "نساءٌ يرتِّبنَ فوضى النهار" معماراً متكاملاً يتداخلُ فيهِ الفنُّ باللغة، والذكرى بالرؤية، والحاضرُ بالمتخيلِ الذي لا يفتأُ الشاعرُ يلونُه بفرشاةِ القصيدةِ وحبرِ الذاكرةِ.

وعلى صعيدٍ نقديٍّ بنيويٍّ أعمق، لا يمكنُ عزلُ هذه "البنيةِ التشكيليةِ" عن "مركزيةِ الأنا" في ديوانِ سعدي، تلك الأنا التي لا تنظرُ إلى الخارجِ بوصفِه مُحيطاً خاملاً، بل كفضاءٍ ديناميكيٍّ يتشكلُ وفقَ قراءتِها الجماليةِ له؛ فالتدويرُ الإيقاعيُّ هنا ليسَ مجردَ تقنيةٍ صوتيةٍ تمنعُ انقطاعَ الدفقِ الموسيقيِّ، بل هو "محاكاةٌ بنيويةٌ" لآليةِ التفكيرِ البشريِّ الذي لا يرى الأشياءَ في انقطاعٍ، بل في تدافعٍ وتتابعٍ مستمرٍّ. إنَّ استحضارَ الشاعرِ لـ"فوضى النهار" و"ترتيبِ النساء" يُحيلنا إلى ممارسةٍ رمزيةٍ تتجاوزُ المعنى الظاهريَّ، لتمسيَ القصيدةُ بحدِّ ذاتِها طقساً معرفياً يُحوّلُ الفوضى العشوائيةَ إلى "نظامٍ جماليٍّ" فائقِ الدقة.

إنَّ هذا الاشتغالَ على "هندسةِ المعنى" يبلغُ ذروتَه حينَ يدمجُ الشاعرُ بينَ "بلاغةِ الحركةِ" و"سكونِ الصورة"، كما نلمسُ في توظيفِهِ للمفرداتِ التي توحي بالاستقرارِ والاضطرابِ في آنٍ معاً؛ فالمرأةُ، في متخيلِ سعدي، هي "المركزُ الثابتُ" في وسطِ إعصارِ الزمن، والقصيدةُ هي "الرؤيةُ" التي تُثبّتُ هذا المركزَ على الورق. وهكذا، تظلُّ البنيةُ في ديوانِ "نساءٌ يرتِّبنَ فوضى النهار" معماراً يتنفسُ بانتظامٍ بين "مدِّ" الجملةِ الشعريةِ الممتدةِ عبرَ التدوير، و"جزرِ" الصورةِ المركزةِ التي تومضُ في أذهانِنا كبرقٍ فنيٍّ لا يُمحى، مُؤكداً أنَّ نمر سعدي لا يكتفي بصياغةِ القصيدةِ، بل يبني "عالماً" من اللغةِ يستعصي على الفناءِ، ويظلُّ مفتوحاً على قراءاتٍ تأويليةٍ تتناسلُ مع كلِّ عودةٍ إلى النصِّ، بوصفِه مادةً حيةً تعيدُ إنتاجَ جمالياتِها مع كلِّ متلقٍ جديدٍ. 

CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق